الشيخ مصطفي القاياتي الخطيب الأول في ثورة ١٩١٩

 

الشيخ مصطفي القاياتي (1879-1927) هو صاحب أول عمامة بارزة بالنشاط السياسي المصري في عصر النهضة، بفضل نشاطه في الوفد المصري، وهو نشاط بارز دفع به لأعلى مكانة في الوفد، وهو سابق للشيخ مصطفي عبد الرازق وشقيقه الشيخ علي في مكانتهما السياسية، بيد أنه توفي مبكرا (1927).

شخصيته المؤثرة والملهمة

كان الشيخ القاياتي من أبرز رجال ثورة 1919، وقد وصف دوما، ولايزال يوصف، بأنه كان علما من أعلام هذه الثورة، وكان مثالا للصدق، والتضحية، والإخلاص من أجل العمل الوطني، وكان وجوده في حد ذاته سببا لتأييد الطبقات الشعبية الحريصة على دينها وتدينها لفكرة الثورة وشرعيتها ومشروعيتها واندلاع نشاطها.

فقدانه لوظيفته بسبب الثورة

كان الشيخ القاياتي من أوائل أصحاب الوظائف الذين انضموا للثورة وضحوا من أجلها، وقد أحيل إلى مجلس التأديب بسبب اشتراكه في الثورة، لكن مجلس التأديب الحكومي لم يجد ما يؤاخذه عليه فقرر إبعاده إلى مدينة رشيد وتخفيض مرتبه، ظنا أن هذا الحل كفيل بإبعاده عن الجماهير، لكنه لم يقبل هذا القرار، واستقال من وظيفته لكي يواصل عمله الوطني في قيادة الثورة.

طبقة الوفد الثالثة

كان الشيخ القاياتي واحدا ممن عرفوا في التاريخ بأنهم طبقة الوفد الثالثة التي حلت محل الطبقة الثانية التي نفيت إلي ألماظة وذلك بعد حلولها محل طبقة الوفد الأولي التي نفيت إلى سيشل. وقد زامل في هذه الطبقة كلا من المصري السعدي باشا، والسيد حسين القصبي، وفخري عبد النور، ومحجوب ثابت، وراغب إسكندر. وقد اضطرت السلطات العسكرية الإنجليزية نفسها إلى اعتقاله لمدة طويلة، ونسبت إليه بطولات لم تكن بعيدة عن أدائه، وإن لم تتمكن من إثبات قيامه بها، ووجهت إليه تهمة الاشتراك في اغتيال الإنجليز، لكن شيئا من هذا كله لم يثبت عليه.

انتخابه عضوا بمجلس النواب الأول

بعد نجاح ثورة 1919 انتخب الشيخ القاياتي عضوا في البرلمان الأول (1924) وتجدد انتخابه في برلماني (1925 و1926) وعاد إلى القيام بوظيفة التدريس بالأزهر الشريف. وفي البرلمان المصري ترأس الشيخ القاياتي لجنة الأوقاف.

نشاطه الحزبي

على صعيد العمل السياسي الحزبي، ظل الشيخ القاياتي وفديا مخلصا للوفد، وكان يتولى قيادة الحملات الانتخابية لمرشحي الحزب في الدوائر المختلفة.

من رواد المجتمع المدني

بالإضافة إلى هذا كله، فقد كان الشيخ القاياتي من زعماء المجتمع المدني، وكان له باع طويل في العمل المدني والأهلي قبل أن تعرف هذه التسميات، فكان من مؤسسي جماعة الدفاع عن حقوق مصر، كما أسس نقابة المستخدمين الخارجين عن هيئة العمال، وكان رئيسا لمجلس إدارة مدارس جمعية النجاح.

إصداره لجريدة الرشيد

كان للشيخ القاياتي أيضا إسهام في العمل الصحفي على عادة أصحاب الفكر المهمومين بالسياسة والعمل الوطني، ويذكر له أنه أصدر جريدة "الرشيد".

تدريسه التاريخ بالجامعة المصرية القديمة

روى الدكتور زكي مبارك، في استطراد من استطراداته الجميلة في مقال من مقالاته الطريفة في مجلة الرسالة، قصة تعاقب 4 من الأساتذة الأزهريين على ما يمكن لنا أن نسميه كرسي التاريخ في الجامعة المصرية القديمة، ونلاحظ فيما رواه الدكتور مبارك أن الفرصة كانت متاحة أمامه هو نفسه لينضم إلى هؤلاء بعد فترة قصيرة بيد أنه كان مشغولا كما نعرف بالأدب والنقد والصحافة. يقول الدكتور مبارك:

سنة 1917 رفضت وزارة الحقانية أن يستمر الشيخ محمد الخضري بك والشيخ محمد المهدي بك في التدريس بالجامعة المصرية، وكانا أستاذين بمدرسة القضاء الشرعي، وهي يومئذ تحت إشراف وزارة الحقانية، فبحثت الجامعة عن أستاذ للتاريخ الإسلامي لا تسيطر عليه الحكومة، فظفرت بالأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار، وكان قريعاً (بلغتنا المعاصرة: نظيرا) للشيخ الخضري، فقد كانا في الأدب والتاريخ فرسي رهان. ولكن أين من يخلف الشيخ المهدي؟ ذلك سؤال وجهه الأستاذ محمد بك وجيه سكرتير الجامعة في ذلك العهد إلى الشيخ عبد الرحمن المحلاوي أستاذ الشريعة الإسلامية بقسم الحقوق، فدله على الشيخ القاياتي أحد أساتذة الأدب بالأزهر الشريف.

"وفي عصر يوم سمعت صوتاً يناديني وأنا في طريقي إلى الجامعة، فالتفت فرأيت الشيخ مصطفى القاياتي، وانتحينا ناحية في قهوة بميدان الأزهار: الجامعة تقترح أن أكون خلفاً للشيخ المهدي في تدريس الأدب العربي، وقد فكرت كثيراً فيمن أعتمد عليه في معاونتي فلم أجد غيرك.. نظرت في المنهاج -وكان من وضع الشيخ المهدي- فوجدتني أقدر على إنجازه بلا عناء، فأشرت على الشيخ مصطفى بالقبول، فمضى وأمضى العقد في الحال".

القاياتي خطيبا ولم يكن مدونا لخطبه

"كان الشيخ مصطفى القاياتي من أخطب الخطباء في عصره، كان يخطب ساعة أو ساعتين بلا تلعثم ولا توقف ولا تحبس، وكان لا يلحن أبداً وهو يخطب، ومع هذا كانت الكتابة عسيرة عليه عسراً لا يطاق، فما كان يسهل عليه إنشاء مقال، ولا كان في مقدوره تحرير خطاب والذي سمع الشيخ مصطفى خطيباً لا يصدق هذا القول، فقد كان خطيباً ثجاجاً، خطيباً عرفته منابر الحزب الوطني قبل أن تعرفه منابر الوفد المصري، فكيف يصعب عليه الإنشاء وكان في الأزهر معلم إنشاء؟ يرجع إلى أنه نشأ واعظاً وكان أهله من الواعظين، فقويت عنده ملكة الخطيب الفصيح، وضعفت عنده ملكة الكاتب البليغ.

وصف الدكتور زكي مبارك لموهبته

"كان الشيخ مصطفى ذكياً جداً، ولكنه كان قليل الاطلاع، فكان من الصعب أو من المستحيل أن يخلف الشيخ المهدي في تدريس الأدب العربي".

"لم يكد الشيخ مصطفى يطمئن إلى معاونتي حتى شعرت بأن واجبي أن أحفظ سمعة الأزهر والجامعة المصرية، فشرقت في تاريخ الأدب وغربت، وأعددت 40 محاضرة لو نشرت اليوم لكانت غاية في دقة البحث ونضارة البيان، وهي لا تزال في حيازة الأستاذ يوسف القاياتي، فمتى ينفض عنها غبار النسيان؟

"والمهم أن أسجل أن حرصي على الصدق في أن تصان سمعة الشيخ مصطفى من لغو اللاغين فرضت علي أن أجعل محاضراته في قوة محاضرات الشيخ المهدي وقد نجحت ونجحت، وكانت جهودي في تلك السنة ذخيرة باقية لحياتي الأدبية، فقد استقصيت فيها مراحل الأدب في القديم والحديث".

وفاته

توفي الشيخ القاياتي في 14 سبتمبر/أيلول 1927 إثر مرض وجراحات متوالية أجريت له، وانتهت حياته بالالتهاب الرئوي.