حديث ما بعد صدمة الحرب..

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

كنت أغرس بعض شتلات الزهر، استعدادا لاستقبال عيد الفطر، عندما اتصل بي زوجي، وقال لي: غادري البيت سريعا، ففي الأفق القريب نذير حرب!

علمت حينئذ أن أوضاع القدس كانت شديدة السوء، كما أعلم يقينا أن القدس إذا نادت غزة فلا بد أن تلبي غزة النداء.
لملمت بعض حاجاتي المهمة، وكان أكثر ما يؤرقني من سيطعم قطتي وصغارها، ودجاجاتي، ونباتاتي؟! بخاصة إن طال أمد الحرب لا قدّر الله، لذا وضعت كثيرا من الطعام والماء تحسبا لتلك الظروف، وخرجت وقد استودعت رب العالمين البيت بما فيه، وما حوله.

3 حروب سابقة مرّت على قطاع غزة، نقشت في مخيلتي تفاصيل الألم وخوف الفقد للأحبة، والممتلكات، ومشهد الخيبة المعهود من وقوف العالم إلى جانبنا، وإنصافنا، و زاد التطبيع العربي مع إسرائيل طين الحسرة بلة، إذ سيعطي الضوء الأخضر لتغوّل آلة دمار الاحتلال وبطشه!

3 حروب سابقة أليمة مرّت على قطاع غزة، ولكن هذه الحرب كانت الأكثر والأشد إيلاما، استخدم فيها الاحتلال أحدث ما لديه من عتاد حربي، من الطائرات، والصواريخ، التي تحيل برجا سكنيا من 10 طوابق تطلّب بناؤه سنوات عدة ركاما في بضع ثوان!

كنت أحاول بشتى الوسائل ضبط أعصابي، وإبراز عدم الخوف من أصوات الصواريخ المرعبة المباغتة في سكون الليل، حتى أشدّ من عضد من حولي من أخواتي وإخوتي وصغارهم، وكنت قد أويت مع جهازي الحاسوب إلى بيت أهلي.
كان قلبي مشتت الخوف، خائفة على ابنتي الصغيرة التي تعيش مع أهل أبيها الشهيد منذ عام 2003، وكانت طوال أيام الحرب تتصل مذعورة من أصوات الصواريخ التي لا تميز بين مدني وعسكري، ولا بين بناية سكنية أو مقرّ عسكري! الكل هدف مباح لتلك الصواريخ في أي لحظة من نهار أو ليل!

كان لزاما علي في تلك الظروف العصيبة أن تبقى ريشتي ترسم الكاريكاتير اليومي الذي ينشر في صحيفة الرسالة المحلية، وصحيفة القدس العربي اللندنية، وصفحتي الشخصية في فيسبوك وتويتر، التي توثق جرائم الاحتلال، وكنت أرى الخوف في أعين من حولي، من مغبة أن أكون أنا والبيت عرضة للقصف، بسبب تلك الرسوم!

كانت الرسوم تلقى تفاعلا وتعاطفا كبيرا، بخاصة أني أرسم وأغرد من غزة نفسها، وكانت أخبار ومشاهد تدمير الأبراج والبنايات السكنية بما فيها من ممتلكات وأحياء تؤلمني بشدة، وتزيد خوفي على بيتي وبيت أهلي من بطش الاحتلال الذي يريد إسكات صوت كل من يدافع عن وطنه وشعبه!

كان دخول المساء يعني الخوف والذعر وصراخ الأطفال، وارتجاج البيت، وكأن صاروخا قد أصابه في مقتل، وشخصيا كنت ألبس حجابي وجلبابي طوال الليل، وأستسلم للتضرع إلى الله أن يحمي بيوتنا وأنفسنا من أي ضرر، وكنت طوال أيام الحرب لا أنام إلا بعد صلاة الفجر، إذ أستبشر بضوء النهار حتى لو كان القصف مستمرا!

الطريف في الأمر أنني منذ اليوم الأول للحرب حظرت أسرتي عن صفحتي الفيسبوك، حتى لا يروا ما أنشره عليها من رسوم، فلا يزيد خوفهم وتوجسهم من وجودي بينهم!

كم كان مؤلما أن أشعر بالقهر وأنا أخشى من حرية التعبير، من حقي الإنساني في الصراخ عند الألم.. إنه احتلال يريد أن يقتلنا بصمت، ويريد من العالم أن يتفرج ويصفق لذلك دون أدنى إدانة!

وكم كان مؤلما أن أجد إدارة فيسبوك تتماهى مع الاحتلال، فتعمل تقييدا على نشر المحتوى الفلسطيني، وتارة تقوم بالإعدام الرقمي، شخصيا قامت بتقييد حسابي من البث المباشر أو الإعلان شهرين متتابعين، بحجة انتهاكي معايير النشر!

استمرت الحرب 11 يوما، ويكأنها 11 شهرا، اعتقدت خلالها أن البيت قد أصابه شيء من الدمار، وأن القطة إن لم تمت تحت الردم، فقد فرّت بصغارها بحثا عن الطعام، وأن دجاجاتي متن لا محالة، لأن القن كان مغلقا عليهن، وإن لم يقتلهن الجوع، فقد أماتهن العطش! وأن شجيراتي وأزهاري باتت هياكل نباتية هشة، بعدما أضناها العطش، وهي التي كانت يوميا مدللة بالسقيا!

في 20 مايو/أيار مساء كانت تباشير التخلص من كابوس الحرب قد لاحت، وقد كثفت يومها الرسوم التي لم أنشرها إلا بعدما ثبت خبر الهدنة، وتوقف الحرب.

حمدت الله كثيرا على خروجي سالمة أنا وأهلي وابنتي وزوجي، وبقيت أعدّ الساعات لبزوغ الفجر لأنطلق إلى بيتي وأتفقد ما فيه.
في العاشرة من صباح اليوم الأول للهدنة، انطلقت بالسيارة إلى بيتي، وكنت أبكي طوال الطريق لسببين: سعادة لأن الله نجاني وأحبائي، وحزنا على ما رأيته من الدمار الوحشي الهائل لكثير من البيوت والمرافق العامة!

وما إن فتحت باب البيت، حتى أسرعت قطتي بصغارها نحوي بطريقة جنونية، كانت وصغارها في ذروة الجوع والهزال! فأسرعت بفتح بعض معلبات السردين المخزنة، ووضع الماء للشرب. وجدت بعض الأضرار البسيطة قد أصابت بيتي، بفعل قصف بيوت مجاورة له، الأشجار والأزهار تكاد تموت عطشا، فأسرعت بإسعافها بالماء، في حين ماتت تماما شتلات الزهر الصغيرة!

أما الدجاج فقد كتب الله له السلامة، رغم أن حجارة من قصف البيوت المجاورة كانت قد اخترقت سياج القن! وكان الماء المتبقي في دلو الماء الكبير لا يكاد يكفي سويعات قادمة! حتى إن دجاجة وجدتها ترقد فوق كوم البيض الذي تجمع طوال أيام الحرب!
بقي البيت سالما، وعاشت النباتات، وترعرعت من جديد، وعاد للقطط رونقها وصحتها، ولكنني بقيت أياما أخشى حلول المساء، والنوم، وعانيت مثل ابنتي تساقط شعر الرأس، ووجع القدمين واليدين! لقد بقيت الحرب ببشاعتها تقض مضاجعنا، وتهاجم أحلامنا، وتسرق لذة النوم من عيون أطفالنا! وستبقى تلك الأيام السود تذكرنا بأنه لا يزال هناك عالم ظالم، ينظر إلى الجلاد على أنه الضحية، وإلى المظلوم وصاحب الحق على أنه إرهابي، مهدور دمه وماله وعرضه! ولكنها ستبقى أيضا تشعرنا بالفخر والعزة بأننا ننتمي إلى غزة، هذه البقعة الصغيرة جدا من الكرة الأرضية، التي تمتلك مقاومة دافعت بكل بسالة عن شعبها ومقدساتها، في الشهر نفسه (مايو/أيار) الذي عجزت فيه 7 جيوش عربية جرارة عن مواجهة قوات الاحتلال ذاته، قبل 73 عاما!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة