المدارس الكاثوليكية ومأساة السكان الأصليين في كندا..

(وكالة الأناضول)
(وكالة الأناضول)

 

في عام 1876 أقر رئيس الحكومة الكندية جون ماكدونلد "القانون الهندي". ضم هذا القانون عددا من التشريعات الاستعمارية التي تهدف إلى القضاء على ثقافة السكان الأصليين من أجل إدماجهم في المجتمع الأوروبي الكندي. بعد إقرار هذا القانون بدأت الحكومة بإنشاء ما يعرف بالمدارس الداخلية لتعليم السكان الأصليين النمط الأوروبي في الحياة والدين. كانت تلك المدارس تدار من طرف الكنائس المحلية، وبإشراف من الحكومة الكندية، والكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان. كانت هذه البداية الرسمية لهذا النظام المدرسي. لكن مدارس أخرى تأسست عام 1830 خصصت لنفس الغرض كانت تابعة للكنيسة فقط، وبدون إشراف حكومي. يقول ماكدولند بكل وضوح، وهو يقدم مشروع القانون الهندي "يعيش الطفل مع والديه المتوحشين؛ إنه محاط بالوحشية. وعلى الرغم من أنه قد يتعلم القراءة والكتابة، تبقى عاداته وطريقة تفكيره على نمط الهنود (أي السكان الأصليين). إنه ببساطة متوحش يستطيع القراءة والكتابة".

كان شعر الطلاب يُقص حينما يرتادون هذه المدارس (يعتبر هذا أمرا مهينا في ثقافة السكان الأصليين) وغالبًا ما يتم إعطاؤهم أرقامًا لتمييزهم، ولباسا موحدا. كانت أيامهم منظمة بشكل صارم وفقًا لجداول زمنية. مُنع الطلاب تمامًا من التحدث بلغاتهم، أو ممارسة عاداتهم الثقافية، أو الدينية. كما فُصل الأشقاء من العائلة الواحدة، وهم داخل المدرسة، حتى تضعف الروابط الأسرية بين السكان الأصليين.

لم يتلق طلاب المدارس الداخلية نفس مستوى التعليم مقارنةً بعامة السكان في نظام المدارس العامة. وكانت المدارس الداخلية تُعاني من نقص شديد في التمويل. ركز النظام المدرسي في المقام الأول على المهارات العملية. تم إعداد الفتيات للخدمة المنزلية، وتعليمهن غسل الملابس، والخياطة، والطهي، والتنظيف. وتم تعليم الأولاد النجارة والصيد والزراعة. كان الأطفال مُجبرين على تنظيف المدرسة والكنيسة، بالإضافة إلى أعمال الصيانة والزراعة لصالح الكنيسة، وبدون أي مقابل. يتذكر الناجون أنهم تعرضوا للعديد من أنواع العقاب، منها الضرب والتكبيل، ووضع الإبر في ألسنتهم إن تحدثوا بلغتهم الأم.

أغلقت آخر مدرسة داخلية سنة 1996 أي بعد حوالي 166 عاما. طيلة هذه السنوات قام نظام المدارس الداخلية في كندا بفصل حوالي 150 ألف طفل عن عائلاتهم قسراً، وتعريضهم لأبشع أنواع الاعتداء الجسدي، والجنسي، وقد أدى التعدي والإهمال بالعديد من الأطفال إلى الانتحار.

اعترفت الحكومة الكندية بالجرائم التي حدثت في هذه المدارس. أول اعتراف رسمي كان من رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر سنة 2008. كما قالت لجنة "الحقيقة والمصالحة" الكندية المُكلفة بالتحقيق في تاريخ اضطهاد السكان الأصليين عام 2015 إن ما حدث "إبادة جماعية ثقافية".

تمتد الآثار الإجرامية لهذه المدارس في كل نواحي كندا. أُعيد فتح الجروح القديمة يوم 31 مايو/أيار 2021 حينما عُثر على مقبرة جماعية في محافظة " كولومبيا البريطانية" بها 215 طفلا ارتادوا إحدى المدارس الداخلية. على إثر هذه الفاجعة قال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو:

بصفتي أبًا، لا أستطيع تخيل كيف سيكون شعوري إذا سُلب أطفالي مني. وبصفتي رئيسًا للوزراء، أشعر بالفزع من السياسة المخزية التي سرقت أطفال السكان الأصليين من مجتمعاتهم.

كما أنه أكد على اتخاذ إجراءات ملموسة نحو مصالحة وطنية بشأن تاريخ السكان الأصليين في كندا. لكنه لم يوضح تفاصيل تلك الإصلاحات، وألقى اللوم على المؤسسة الدينية قائلا:

يجب أن تتحمل الكنيسة الكاثوليكية المسؤولية عن دورها في إدارة العديد من هذه المدارس.

كان رد بابا الفاتيكان فرانشيسكو خاليا من كلمات الاعتذار أو حتى الاعتراف. لكنه عبر عن حزنه قائلا: "يزيد هذا الاكتشاف المُحزن من فهم آلام الماضي، ومعاناته. وتمثل هذه اللحظات الصعبة تذكيرًا قويًا لنا جميعًا بضرورة إبعاد أنفسنا عن نموذج المستعمر، والسير جنبًا إلى جنب في الحوار والاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق والقيم الثقافية لجميع أبناء وبنات كندا".

على مدى عقود، تراوح معدل وفيات أطفال السكان الأصليين في هذه المدارس بين ضعفين و5 أضعاف معدل وفيات أطفال المدارس من غير السكان الأصليين. الانتحار والإهمال والأمراض والاعتداء الجسدي والجنسي كلها أدت إلى زيادة أعداد الوفيات.

كان هناك أكثر من 130 مدرسة داخلية في جميع أنحاء كندا. حينما توقف العمل بها كمدارس إلزامية، تم تسليم مبانيها عمومًا إلى الناجين من المدارس من القبائل المختلفة من السكان الأصليين كـ "الإنويت" و"الميتيس". اختارت بعض القبائل هدم تلك المدارس لما تمثل لها من تاريخ مؤلم. في حين اختارت قبائل أخرى الإبقاء على مباني تلك المدارس لتبقى الذاكرة حية حيال تلك المرحلة من التاريخ الكندي. تقول روزان كازيمير زعيمة إحدى القبائل الموجودة في محافظة "كولومبيا البريطانية" إن هذه المدارس "تمثل بالنسبة لنا جزءا كبيرا من تاريخ اضطهادنا، لا نريد أن ننسى هذا التاريخ، بل يجب أن نتعلم منه".

نُكست الأعلام الكندية في كل المباني الرسمية حزنا على هذه الحادثة. يرى بعض الناشطون أن هذا النوع من الرمزيات، بالإضافة إلى تصريح رئيس الوزراء الكندي، هي مؤشرات في الاتجاه الصحيح نحو مصالحة وطنية، في حين يجادل قادة قبائل السكان الأصليين بأن "مثل هذه الإيماءات لا تكفي، إن لم ترافقها إجراءات ملموسة على أرض الواقع تعوض الناجين من تلك المدارس، وتدفع نحو إعادة إحياء ثقافات ولغات السكان الأصليين".

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة