عن كتابي صيف أفغانستان الطويل وكواليسه

الولايات المتحدة بدأت سحب قواتها من أفغانستان مطلع مايو/ أيار الجاري بعد 20 عاما على تواجدها فيها (الفرنسية)
الولايات المتحدة بدأت سحب قواتها من أفغانستان مطلع مايو/ أيار الجاري بعد 20 عاما على تواجدها فيها (الفرنسية)

 

من النادر أن يكتب كاتب عن كتابه، لكنني هنا لن أكتب عنه بقدر ما سأكتب عن تجربة الكتابة وكواليسها، أملا في أن تكون ذا فائدة للقراء الكرام.

بدأت رحلتي في توثيق الحرب الأفغانية منذ وصلت إسلام آباد عام 1983، حيث عملت يومها في مجلات أفغانية ناطقة بالعربية، وعلى رأسها مجلة "الجهاد" التي كان يصدرها الشهيد عبد الله عزام رحمه الله، وفي تلك المدرسة بدأت أمارس هواية الصحافة، التي تطورت لاحقًا إلى دراسة للماجستير فالدكتوراه في التخصص ذاته، لأنتقل مبكرًا إلى صحف عربية مرموقة يومها، مثل الشرق الأوسط والحياة، ثم أتوّجها لاحقًا بالعمل في قناة الجزيرة. وكنت طوال تلك المدة، بقدر اهتمامي بالمسودة الأولى للتاريخ، وهي تغطية الحدث للصحافة المكتوبة والمقروءة والمسموعة، أستعد وأتهيّأ لكتابة المسودة الثانية من التاريخ وهو هذا الكتاب.

 

الكتاب يقع في 500 صفحة، وهو صادر عن دار لبنان الجديد، ومتوفر في مكتبات إسطنبول، وعلى رأسها مكتبة "وسم" في منطقة الفاتح، وعلى موقع النيل والفرات لشراء الكتب، وسيتوفر قريبًا بإذن الله في دول عربية، وعلى منصات أمازون وغوغل بلاي. هذا الكتاب -في غالبه- حصيلة مقابلات شفهية أجريتها مع صناع القرار الباكستاني والأفغاني وغيرهما على مدى عقود، غطيت فيها عصر الاحتلال الروسي في أفغانستان، ثم عصر الاحتلال الأميركي، وبدأته ببدايات نشأة الحركة الإسلامية الأفغانية، وتأثراتها بالخارج، فكانت البداية بالمدارس الدينية، حيث غُصْتُ في تاريخ تلك المدارس ومنهجها ودورها في نشأة الحركة الإسلامية، والتقيت مديري تلك المدارس ومن درسوا فيها، ثم المسؤولين الباكستانيين الذين عاشوا فترة الجهاد الأفغاني، ثم رحلوا عن عالمنا، وعلى رأسهم نصير الله بابر، الذي كان مكلفًا من رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو عام 1973 بمتابعة المجاهدين وتدريبهم وتسليحهم.

لم يتغير شيء بعد الانقلاب على بوتو ومجيء ضياء الحق للسلطة، فقد واصل الفريق نفسه التعامل مع المجاهدين الأفغان فترة، إلى أن زادت سيطرة المخابرات العسكرية الباكستانية وسطوتها على الملف الأفغاني، وكنت محظوظًا جدًّا حين قابلت في تلك الفترة آغا شاهي وزير خارجية ضياء الحق، عشية الغزو السوفياتي لأفغانستان، وجلست معه ساعات ليروي لي كواليس السياسة الباكستانية والإقليمية والدولية، قبل رحيله عن عالمنا.

عُدت في الكتاب إلى يوميات كنت قد دونتها في دفتري طوال عملي الصحافي، واستفدت منها كثيرًا، لا سيما أن الصحافي يتابع الحدث بدقائقه وتفاصيله، مما يساعده كثيرًا مستقبلًا على رسم صورة عامة شاملة، خصوصًا إن تنبه للامتدادات الإقليمية والدولية للحدث الذي يغطيه.

اعتمدت في الكتاب أيضًا على الصحف الأفغانية والباكستانية التي كنت أتابعها، إذ تعد من أهم الوسائل والمصادر لتلك الفترة، بالإضافة إلى متابعة الصحف الأجنبية نظرًا للبعد الدولي في أفغانستان ومصالح الدول المتشابكة فيها، ولم أنس متابعة المجلات الجهادية الأفغانية التي غطت أحداث تلك الحقبة، فكانت مميزة في زمنها، حيث ضعف المصادر وغياب دفق المعلومات الذي نعيشه اليوم، مما جعلها في غاية الأهمية لكل من يكتب عن تلك المرحلة.

ورغم أنني لم أتجاهل أي كتاب صدر باللغة الإنجليزية أو اللغة المحلية لأستفيد منه في كتابي هذا، فإن أكثر من 70% من الكتاب يعتمد على المقابلات الشفهية المباشرة، التي كانت أبرزها لقاءاتي مع قادة الجهاد الأفغاني بكافة أسمائهم، وقادة المقاتلين الطالبانيين، والمسؤولين الباكستانيين الكبار من قادة جيوش ومديري استخبارات، وكثير منهم رحلوا عن عالمنا.

 

يبقى القول إن التجربة الأفغانية قد لا تختلف عما يجري اليوم في دول الربيع العربي، سواء في سوريا أو ليبيا أو اليمن، ما دامت اللعبة واللاعبون الدوليون والإقليميون هم أنفسهم، مع تغير أسماء بعض الدول فقط.

 

أخيرًا، أتمنى أن يجد القارئ الكريم في الكتاب الذي يحكي تاريخ تلك المرحلة، بأسلوب صحافي أقرب ما يكون إلى أسلوب الرحالة، دفعًا للسأم والملل والجفاف الذي قد يوجد في بعض كتب التاريخ، مما يصرف النفوس عن الإقبال عليها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة