النفط الإيراني بالعملة اللبنانية

حسن نصرالله (الجزيرة)
حسن نصرالله (الجزيرة)

 

خرج قبل أيام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بطرح قديم جديد مفاده استيراد النفط الإيراني بالليرة اللبنانية دون الحاجة إلى استخدام ما تبقى من الاحتياطي النقدي الأجنبي في البنك المركزي، واصفا المسؤولين اللبنانيين بأشد العبارات متناسيا نفسه وحزبه أنه جزء لا يتجزأ عن التركيبة السلطوية أو السلطة الفاسدة، وجزء أساسي لا بل حاميها، وبات ذلك جليا عندما رفض إسقاط حكومة العهد التي كان يترأسها الرئيس سعد الحريري، إضافة إلى تهريب المواد الأساسية المدعومة إلى النظام السوري، وغيرها من أمور لن ندخل في تفاصيلها.

لقد أصبح هذا الخطاب إستراتيجية متبعة من قبل كل السياسيين في لبنان، وإن هذا النهج متبع كي يضللوا الرأي العام، ويعتمدون في إستراتيجيتهم على عاطفة الناس وجهلهم وكيفية صرف الأنظار عن فسادهم، وهي نظرية تكلم عنها نعوم تشومسكي.

ولكن بعيدا عن المواقف السياسية تجاه الحزب: لماذا تريد إيران أن تبيعنا النفط بالليرة اللبنانية وهي تعاني من فقدان العملة الأجنبية بسبب العقوبات عليها؟ هذا سؤال يحتاج إلى بحث وتعمق لفهم القضية.

 

أول عمل يقوم به اللبناني بعد أن يستيقظ من نومه هو البحث عن سعر الدولار على المنصات الإلكترونية، لقد أصبحت هذه العملية الروتينية جزءا من حياته اليومية، أصبح الدولار سر أرقه وقلقه من الغد، أصبح همه الذي لا يفارقه في عمله وفي مأكله ومشربه وفي كل تفاصيل حياته، فقد أصبحت صورة الدولار موجودة فقط على الإنترنت وغير موجودة في الأسواق وكأنه جاء شبح وسحب كل الدولارات من الأسواق فأصبحت سلعة نادرة الوجود، وهنا تكمن خطورة الأمر، فقد تحولت من عملة متداولة إلى سلعة من المستحيل إيجادها والحصول عليها.

دخل لبنان نفق لعبة الدولار التي سحقت دولا أكبر وأغنى منه من حيث المساحة والموارد الطبيعية، وعلى رأسها فنزويلا التي مرت بأزمة سياسية خطيرة جاءت نتيجة مباشرة لانهيار اقتصادي على المدى الطويل كما قال تقرير نشرته مجلة "لا كابيتال" (la capital) الفرنسية.

فقد ذكر الكاتب نيكولاس غالنت أنه وفقا لدراسات اقتصادية في معهد الاقتصاد العلمي والإدارة الفرنسي "إريك دور"، فإن الأزمة في فنزويلا تعتبر "استثنائية" من حيث الحجم وآثارها الإنسانية والديمغرافية على حد سواء، إذ تعاني البلاد من هجرة هائلة، لأن سكانها يعانون من الجوع ومحرومون من الأدوية، وعلاوة على النقص الخطير في الضروريات الأساسية يواجه الفنزويليون أيضا صعوبات متعلقة بمجال النفط الذي يعد المصدر الرئيسي لموارد البلاد.

 

إن فنزويلا تشبه لبنان إلى حد كبير من ناحية التضخم، فقد ارتفع العجز العام بشكل ملحوظ جدا، ذلك لأن الدولة لم تسيطر على إنفاقها، ومن أجل السيطرة على هذا العجز العام طبعت كراكاس الكثير من الأوراق المالية، لتنهار بذلك قيمة البوليفار مقابل الدولار، مما دفع الفنزويليين إلى تحويل أجورهم من البوليفار في السوق السوداء، وهذا تماما ما حصل في لبنان، وقد وصلت نسبة التضخم إلى حد قياسي ولا تزال مستمرة في التوسع.

إن حجم الكارثة الاقتصادية التي سببها ذلك التضخم يعتبر خطيرا جدا من حيث الانهيار وإفلاس الشركات والمؤسسات وصرف الموظفين، ولكن الجوانب الاجتماعية والأمنية والأخلاقية التي سوف تزداد هي الجوانب الأكثر خطورة من الجانب الاقتصادي، وهذا يضع لبنان على مفترق طرق أسهلها اضمحلال الدولة وسيطرة المليشيات.

 

واليوم، المشهد الحاصل هو فقدان للبنزين وقطع للكهرباء، وقد بشرونا أيضا بقطع الإنترنت وغير ذلك من مصائب، وكل ذلك يعود إلى سبب فقدان الدولار من الأسواق والنزيف الحاد في احتياطي بنك المركزي.

ولكن برأي السيد حسن إن الفكرة التي طرحها سوف تقدم حلا ممكنا في المنظور القريب، ولكن إن تعمقنا في هذا الطرح فإن آثاره سوف تكون وخيمة على لبنان لعدة اعتبارات، فقد غاب عن ذهن السيد حسن أن الشعب الإيراني يعاني من نقص في البنزين ويقف في الطوابير لساعات، ويقف أيضا في الطوابير على أبواب البنوك.

 

إن معاناة الإيراني تشبه معاناة اللبناني تماما، ولكن الإيراني يريد أن يضع حدا لاستنزاف النقد الأجنبي، خصوصا ميزانية حزب الله التي تقدر بمليار دولار سنويا، وإن بيع النفط بالعملة اللبنانية سوف تعود إيراداته لحزب الله، وهذا سوف يزيد حالة التضخم، لأن الدولة سوف تطبع المزيد من الليرة كي تشتري النفط، وسوف تعود تلك النقود المطبوعة إلى الأسواق اللبنانية مجددا، وهذا يعني وفرة في النقود، وهذا يعني تضخما آخر.

كما أن حزب الله لن يقبض بعد الآن بالعملة الأجنبية كما كان في السابق لأنه سوف يقبض بالليرة اللبنانية، وهذا سوف يؤدي إلى بلبلة في بيئته الاجتماعية، ولكنه بالمقابل كي يخفف الأعباء عنهم سوف يساهم في توزيع النفط الإيراني بقدر المستطاع على بيئته بأسعار زهيدة ومهربة أيضا والتي سوف تؤدي -بنظره- إلى تخفيف الأعباء عن كل أنواع الصناعات والتجارة التي تحتاج إلى البنزين.

يضاف إلى ذلك أنه قد بدأ بالعمل على بطاقة سجاد وطرح السلع الإيرانية في مناطقه، ولكنه أيضا ذهب عن باله أن مثل هذه الخطوة -وإن قبلت الحكومة اللبنانية بها- سوف تدخلنا في أزمة جديدة، فبسبب هذه الخطوة وبسبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على تصدير النفط الإيراني سوف يتعرض لبنان إلى عقوبات اقتصادية قاسية، إضافة إلى ازدياد عزلته عن محيطه العربي والدولي، وسوف يزداد فقرا وانهيارا.

 

مثل هذه الحلول -وعلى رأسها نظرية التوجه شرقا- لن تؤدي إلا إلى محاصرة لبنان أكثر وأكثر، وبالمقابل هناك رزمة من الحلول التي قد تكون خارطة طريق حقيقية، ولكن هذا لا يعني أننا لن نمر بالنفق المظلم، الارتطام آت لا محالة، فهذا قدرنا للأسف، ولكن الطرح هذا هو لأجل إعادة لبنان إلى الطريق الصحيح وبداية النهضة مجددا، أولها يكون بإنتاج طبقة سياسية جديدة قادرة على إعادة الثقة إلى المجتمع اللبناني وإعادة الحياة السياسية إلى موضعها الطبيعي، ثم تشريع قانون استرداد الأموال المنهوبة ووقف الهدر والعجز في الموازنة، وإصدار ورقة نقدية جديدة بديلة عن الليرة التي استهلكت، وإعادة العلاقات اللبنانية الخليجية التي سوف تؤدي إلى عودة المستثمرين، ولكن كل هذا يتطلب نية حقيقية من الطبقة السياسية الحالية لإنقاذ البلد بتشكيل حكومة بصلاحيات استثنائية كي توقف المجزرة الحالية  التي لن تبقي أحدا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة