الصفعة في ميزان قواعد الصحافة

blogs ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

فاض خبر صفعة ماكرون في نهر الترند، حتى كان الخبر الأعلى تداولا، وبالغ المسلمون في الفرح بالخبر، وسعد به عرب وعجم، وبيض وسود وحمر، والعنصر الأهم من عناصر الخبر الستة، هو عنصر غائب لم يذكره أحد، وهو شارلي إيبدو.

صفعة ماكرون نافست صفقة القرن التي باتت ذكرى من التاريخ، وسقطت بسيف القدس بعد أن حشدت أميركا لها الحشود ونصبت لها الحفلات.

وقد حاز عنوان صحافي عن دهس أسرة كندية مسلمة على إعجاب المعجبين، والعنوان هو "إرهابي كندي يقتل 4 أجيال مسلمة دهسًا بسيارته"، وخشي الخاشون أن يشتري رئيس دولة عربية -معروفة بناطحات السحاب وتربية الكلاب والغدر بالأحباب والكفر بالوهّاب- السيارةَ للذكرى، والذكرى نوع من العبادة.

ويمكن أن يصاغ خبر الصفعة هكذا: شاب فرنسي يصفع مانح السيسي جائزة جوقة الشرف، وهو أرفع وسام فرنسي، ومن رتبة الصليب الأكبر، ثم جاءت الأخبار تترى، فالصافع فرنسي، وحمد كاتب هذه السطور اللهَ أنه فرنسي وليس وافدا، ونجا ماكرون من الصفعة، ونجا الوافدون أو المجتلبون إلى فرنسا للخدمة والعبودية من الانتقام، والصفعة رمزية، فهي لن تقتل المصفوع، وعلمنا أن التهمة الموجهة للصافع ولمصور الصفعة، هي إهانة شخصية عامة، ليس سوى شخصية عمومية حسب الدستور الفرنسي.

وتساءل الناشطون العرب وهم ينظرون في المرآة: ماذا لو كان الصافع مواطنا عربيا، وكان المصفوع رئيسا عربيا؟ وقد استمرت البسوس السورية 10 سنوات وما زالت مستمرة بسبب الهتاف ضد الرئيس، فلن يستطيع أحد الوصول إليه ليصفعه، فالرئيس غالبا ما يلتقي بمواليه لا بمعارضيه، وحرسه يفحصون الذين يلقاهم الرئيس واحدا واحدا، وهم من أقارب الحرس الجمهوري أو الملكي عادة، ويعلم المعارضون أن أحد الرعايا لو صفع الرئيس فلن يسلم أهله وعشيرته وقبيلته وبلدته ومدينته من الانتقام، ورأينا ما حصل لسوريا من تدمير، والسبب هتاف ضد الرئيس.

لكن -والحق يقال- الرئيس الفرنسي ماكرون أظهر كرما وفضلا وسماحة مرة حين تزوج من سيدة تكبره سنا مرتين، ومرة حين اعتبر سلوك الصافع فرديا، وليس فرنسيا، أو "فرن ساويا" بحسب اشتقاقات ماكرون في اللغة لوصف الإسلام، فالإسلامي يختلف عن "الإسلاموي"، فهو يعرف الفرق بينهما؛ لتبحره في الفقه وعلوم الشريعة، والحادث "صفعوي"، وليس "صفعيًا"، وقيل في الصفعة قانونيا إنها سلوك رجل مجنون، في حين قال رئيس الوزراء جان كاستيكس إن ما حدث إهانة للديمقراطية، وإن الرجل هتف "تسقط الماكرونية"، ولم نكن نعلم أن "الماكرونية" تيار، وأن الرجل هتف بشعار من عصر الملكية، وهو "مونتويا سان دوني" (Montoya Saint-Denis)، وعلمنا أن الصافع مشبوه بالانتماء إلى تيار السترات الصفراء، وأن عقوبته هي السجن، وقد تقل فتصير 6 أشهر، أو تكثر فتصير 7 سنوات، والغرامة 50 ألف دولار، وقد تكون أكثر أو أقل بحسب مهارة الادّعاء وشطارة المحامين، ولن يعذّب، فهو فرنسي، وإن عذُّب فلن يموت تحت التعذيب.

إن الرؤساء العرب يحبون الجباية وكنز الأموال (على جنب كده)؛ من أجل النهضة بالبلاد، والتبرع بالأدوية للدول الفقيرة مثل الصين وأميركا، ونعلم أن الشعوب العربية لو أمنت بطش الرئيس وعلمت أن غرامة صفع الرئيس مالية؛ لكانت الغنائم مضاعفة؛ الغنيمة الأولى هي اشتفاء الشعب من الرئيس والاستغناء عن الصندوق الانتخابي، والثانية اغتناء الدولة بالغرامات المالية.

يقال إن أهم عنصر في خبر "عض كلب رجلا"، هو السؤال؛ مَن الرجل؟ ومَن الكلب؟ وقد عرفنا الكلب، وبات الرجل معروفا، أما العضة فغير مؤذية، وقد يعتبرها المعضوض قبلة بحكمته وعطفه وسماحته وفضله على الكلاب، وقد يعفو عن الكلب، فيصير بطلا في الرفق بالحيوان. وتصير الصفعة شاهدا على الديمقراطية لا إهانة لها.

ملاحظة أخيرة؛ في بلاد العرب جوائز باسم الدولة واسم الرئيس، لكن ليس من جائزة اسمها "وسام الله أكبر".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة