لماذا يشعر السوريون بالتخلي عنهم؟

الثورة السورية.. أرادها الشعب سلمية فحولها النظام لحرب طاحنة (الجزيرة)
الثورة السورية.. أرادها الشعب سلمية فحولها النظام لحرب طاحنة (الجزيرة)

 

سؤال يتردد اليوم وسط المجالس السورية، وفي وسائط التواصل الاجتماعي: هل تخلى المسلمون عن السوريين؟ وهل هانت عليهم الجرائم التي يتعرضون لها بشكل يومي؟ جرائم القتل والتشرد والعيش في المخيمات بأعداد مليونية، من دون ضوء في نفق مظلم. وهل بدأ المسلمون يتعايشون مع قاتل مجرم أجير جنّد كل قطعان المليشيات الطائفية في العالم مدعومة من دول كبرى وإقليمية لتصفية السوريين جسديًا وليس تصفية قضيتهم فقط؟ يفعل ذلك كله من خلال اقتلاعهم عن أرضهم في تغير ديموغرافي لم يسبق له مثيل، وهو بحاجة إلى مئات المليارات من الدولارات لتعديله وتصويبه، إن كان هناك أمل في ذلك.

 

يشعر السوري اليوم المقيم في مخيمات اللجوء والتشرد وهو يتابع أحداث فلسطين الحبيبة بغصّة، ويقول البعض ويخفي كثيرون ما قيل سابقًا "لا يؤلم الجرح إلا من به ألم". لم يعد هذا موجودا في حالة السوريين الذين تخلى عنهم حتى من به ألم، كما لم تعد تصدق في حالتهم مقولة "إن الجريح للجريح نسيب، وإن الشريد للشريد نسيب"، وغدت مقولة:

عيناك تغلي ومن تشكو له صنم

هي الثابت الوحيد في حالته وما دونها وما فوقها متحول ومنحرف.

 

كارثة السوريين غير مسبوقة؛ من حيث حجم التغيير الديموغرافي الذي وقع لـ14 مليون مشرد عن أرضه وبيته، بعد أن دمرت العصابات الطائفية بدعم احتلالات متعددة وخرْس عربي وإسلامي كامل عن كل هذه الجرائم بيوته وأسواقه وخدماته المدنية بشكل عام، ثم يمتدحون القاتل ويشكرونه. ورقم التشرد هذا مرعب، إذ إنه يشكل أكثر من 60% من سكان سوريا، وأكثر من 80% من سُنة سوريا ما دام المستهدف هم السنة العرب فيها حصريًّا، وهي الكتلة السكانية التي أقلقت كل إستراتيجية اليهود على مدى التاريخ القريب والمتوسط لكونها خطرًا على الدولة اليهودية بحكم القرب الجغرافي والتجربة التاريخية المعروفة.

لكن ما يُحرج العالم كله دون أن يحرج بعض الإسلاميين الذين يصرون وسط هذه الجرائم والمجازر ومخيمات التشرد على الرقص على جراح ضحاياها، وهم يعقدون الدبكة ويمسكون برأسها شاكرين القاتل ومثمنين جهده وجهاده، في حين نرى أعضاء في الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريين يرسلون برسالة قوية إلى الرئيس الأميركي جو بايدن يطالبونه بتنفيذ صارم لقانون قيصر الذي يحظر التعامل مع النظام السوري.

ولكن مع هذ كله ألا يجدر بالسوريين أن ينظموا أنفسهم قبل هذا كله ليشكلوا كتلة صماء قوية تستطيع فرض نفسها على الأرض وعلى العالم كله، فالإنسان بطبيعته لا يتضامن مع المظلوم فقط لأنه مظلوم، وإنما لا بد أن تكون لديه قناعة بقدرة هذا المظلوم على الانتصار وعلى الإيقاع بظالمه، وإلا فإن العالم قد يتعاطف معه لأيام وأسابيع ليعود بعدها لحياته الطبيعة، وينسجم مع أولوياته وأسبقياته التي قد تتعارض وتتناقض مع أولويات المظلوم، فلم تعد المبادئ والأخلاق الحاكمة في أغلب سياسات الدول والأحزاب والحركات.

 

قد يُرجع البعض أسباب تمزق السوريين إلى النظام الذي حكمهم نصف قرن، فشتتهم على المستوى الجماعاتي والأسري، وحتى العبث في جيناتهم الاجتماعية، وبالتالي غدا من الصعب على السوريين أن يتفقوا على شيء جامع، وكثير من الحركات غير السورية التي مرّت بتجربتهم نفسها، والتي حصل لها نوع من الاتفاق أو الوحدة، كان للعامل التاريخي دوره في جمع كلمتها ولمّ شملها، وإلا فالكل مرّ بما مرت به الحالة السورية، ومع هذا يفرض واقع المأساة وواقع التخلي عنهم عملا مضاعفًا بهدف توحيد الجهود والرؤية للانطلاق لعمل يزيح النظام وسدنته المحتلين.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة