عقد على الربيع العربي.. خارج المكان

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

في التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1977 وصلت طائرة الرئيس المصري الأسبق أنور السّادات (1918-1981) إلى مطار اللد الذي استولى عليه الاحتلال الإسرائيلي بعد خروج البريطانيين وحوله إلى مطار بن غوريون، كان في استقبال السّادات كبار قادة الكيان الصهيوني المحتل وأعوانهم وممثلون عن العالم الغربي، نزل الزعيم العربي مبتسما للوجوه الإسرائيلية التي لطالما تلقفتها صور التهجير والخوف، محاطا بأعداء الأمس والقتلة التائبين، سار رئيس مصر فاتحا كفي يديه للسّلام، سلام مبتور الحروف منقطع المعنى لواقع بدأت تتغير ملامح جغرافيته منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، زيارة كان لها أثر بالغ التصفيق على أولئك الذين استبشروا وراهنوا على انحناء العالم العربي للاحتلال الإسرائيلي، وبلغته التبريرية قام السّادات مخاطبا الحضور داخل كنيست الاحتلال معبرا عن "عنف المفاجأة" التي لربما لا تروق لكثير من العرب واليهود، ليرد عليهم قائلا:

إنني مستعد للذهاب إلى آخر العالم "لقول الحقيقة.

إسرائيل خارج المكان

هي لحظة تاريخية مفصلية في تاريخ النضال العربي ضد الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية والفلسطينية، بل ضد الإرث الاستعماري الغربي الذي ترك خلفه ابنا بارا تفنن في القتل والتهجير والابادة، ولعل الأمر تعدى كونه كفاح شعب ضد غزاة أرادوا نهب ثرواتهم وخيرات أرضهم، إلى أبعد من حدود الإنسانية والقيم الحضارية، إنها عملية إحلال شعب مكان شعب آخر، ومحو ذاكرته التاريخية والثقافية واستبدالها بأخرى استيطانية عنصرية.

كان الخطاب يومها ينثر السّلام في (إسرائيل) كما لو أنّ للفلسطينيين دولة قائمة، لها حدود واعتراف دولي، برغم أنّ السّادات وطأت قدمه أرضا عربية فلسطينية، إلا أنه آثر الاعتراف "بكيان استعماري" هدية منه للشعب اليهودي والجماعات اليمينية المتطرفة، متجاوزا بذلك تاريخ الإنسان والنضال الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني، كانت بمثابة أنانية سياسة تعدت حدود التضامن العربي مع القضية الفلسطينية، وفتحت باب البيت العبري الذي أغلقت نوافذه في وجه التصالح العربي الإسرائيلي مع كل انتفاضة فلسطينية يباد فيها المئات من المدنيين العزل.

 

نقف اليوم "خارج المكان" بعيدا عن فلسطين كما لو أننا غرباء عن تلك الأرض وكفاح أبنائها التاريخي، لنشاهد كيف تبدو المضاجع لدى الكثيرين ممن آثروا الثورة والبندقية وكسروا غصن الزيتون على الاستسلام، عسى أن تتوقف المستوطنات ودبابات الاحتلال عن بث الرعب والدمار بغزة والقدس، وجعلها أراضي موحشة باهتة يسكنها الموت والخوف، فلسطين التاريخ والإنسان تداعى لها السّاسة العرب ليكملوا ما بدأته الصهيونية من تهجير واستباحة لحق الحياة والعيش، وليقفوا بالمرصاد لكل انتفاضة شعبية تبعث في جبهات التصدي والممانعة نشوة المقاومة والنصر، ولكن هيهات هيهات لمن علّب الحرية في قوالب بشرية وأوردها أقبية الظلم والاستبداد، وأجهز على كل أمل في التغيير والإصلاح أن يقول: لا.. لعدو الأمس.

لولا السّاديون البورجوازيون وأرباب الاتفاقيات الجارية لما حملت سياسة الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة العربية كوارث مدمرة، إذ مع كل انتكاسة عربية وتواطؤ دولي على حقوق الشعب الفلسطيني، في الحرية والعدالة والكرامة، تنبري منصات التفكير الواهم بقوة الاحتلال وقدرته على بعث السّلام وحفظ الحدود والمعاهدات الدولية، وكلما ازدادت قوة كيان الاحتلال الصهيوني زاد الدمار الذي يزرعه حوله، ولعل حرب لبنان عام 1982 كانت تنبئ بما لا يبعث الشك، في نفوس المخلصين لقضية إنهاء الاستعمار والتخلص منه، أنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي كان بحاجة إلى "سلام تهدئة" كي يتمدد على نطاق أوسع وأشمل، ويغزو أراضي عربية يبصر فيها ما يراه في فلسطينيي الداخل، لتتوسع عمليات الاختطاف والاغتيال والنهب خارج المكان، تلك العمليات الإرهابية للاحتلال لم تتوقف حتى بعدما أبرمت السّلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات اتفاق أوسلو سنة 1993، عقب ضغوطات مصرية ما كان لها أن تكون لولا أنّ سلاح السّلطة الفلسطينية هو الآخر التحق بالحظيرة العربية الخربة.

 

سنوات عجاف مليئة بالغدر والخديعة للأمة العربية والإسلامية كانت كفيلة بأن ينقلب عدو الأرض والإنسانية ليصبح صديقا مسلّم العرض والهوية، وتمسي فيها خطابات المصير المشترك أوراقا بالية ملطخة بدماء الحرية والعدالة. ما عادت "القضية المركزية" للإنسانية تشغل هاجس الكثيرين ممن انتظروا "الحلم العربي" أن يتحقق، فدبابات الاستعمارية الجديدة تجوب شوارع عديدة في العراق والشام، تنثر بطائراتها المسيّرة رماد الديمقراطية فوق رؤوس من جردتهم من إنسانيتهم وحقهم في الحياة، باتت أرقام المقتولين برصاص الاحتلال الصهيوني لا تحرك الجامعة العربية بقدر ما تهمها "مبادرات السلام" واتفاقات التطبيع التي شرّعت لليهود الاستيطان، يكفي التنديد والشجب وليُّ الكلمات والخطابات لتناسي قصف الاحتلال لغزة بالقنابل الحارقة، فما عادت الثيران تبكي فرار قائدها، فقد تقاسمت مرابط خيانته وساقت له كل الحظيرة.

يبدو الأمر اليوم واضحا بما فيه الكفاية لفهم دواعي التطبيع وتبرير الخيانة، فبعد الربيع العربي وانتفاضة شعوبه ضد الظلم والاستبداد، وتوسع الهلال الشيعي بمنطقة الشرق الأوسط وتنامي نفوذه العسكري، اتخذت البورجوازيات الحاكمة موقفا مخزيا ضد تطلعات شعوبها في التحرر، فراحت تسومها سوء العذاب والقتل والتهجير تبتغي قبر آمال شعوبها في الانعتاق، وكان الاحتلال الصهيوني يرقب عملاءه لوأد أيّ انتفاضة فلسطينية من شأنها أن تحرك الثورة داخل فلسطين، غير أنّ الحكام العرب اختاروا الاستكانة والانبطاح للصهيونية بغية الحفاظ على مراكز حكمهم بصفقات التسوية، فباعوا ما لا يملكونه واشتروا ما لا يستدام حظه، ونسوا أنّ تاريخ فلسطين منحوت على صفيح مسجى ببيت المقدس تحمله أرواح المنفيين والمقهورين.

 

لا ينظر قادة العرب والمسلمين ممن يلهث وراء التطبيع إلى مآذن القدس كيف تئنّ لجرائم الاحتلال الصهيوني، إذ توريث الحكم والبلاد أعماهم عن "التحالف الإسرائيلي الأميركي" لتجفيف منابع القوة العربية، ولولا  كفاح الشعب الفلسطيني للحفاظ على ما تبقى من حدوده الجغرافية، على أمل أن تستعيد البورجوازية الوطنية "الحدود الأخلاقية" التي جرفتها الفقاعة الكمبرادورية، لما تبقى لحاكم عربي شيء يهبه للصهيونية سوى تبادلات تجارية واقتصادية تزيد من قوة الاحتلال (الرافض لأيّ صفقة تسليح لنظم الاستهلاك البترودولارية) من شأنها أن تغيّر معادلة تفوق الاحتلال العسكري.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة