مسألة المرأة المشرقية

blogs المرأة العربية (رويترز)
blogs المرأة العربية (رويترز)

 

لا تزال قضية المرأة وحقوقها من أهم قضايا العصر الحديث، فهذه القضية ما زالت حديث الصالونات السياسية والثقافية وأروقة الجمعيات النسائية والمنظمات الحقوقية التي ترفع شعار رفع المظلومية عن النساء وإعطائها حقوقها السياسية وغيرها من حقوق، فكثير من تلك المنظمات -منها المحلية والدولية- تقوم بالضغط على دول الشرق الأوسط لتحديث القوانين التي تُعنى بحقوق المرأة بسبب ما يسمى "الاضطهاد" الذي تتعرض له في مجتمعاتنا، التي يعتبرونها مجتمعات ذكورية وإقصائية للمرأة في شتى الميادين، وتطالب أن تكون المرأة العربية مشابهة للمرأة الغربية في العمل والسياسة والتعليم؛ وبسبب ذلك تعمل بوتيرة سريعة الحركات النسوية التي تهدف إلى رفع المظلومية عن المرأة والمطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والوظائف، ولكن ما دقة هذه القضية حتى يقوم العالم الغربي بدعم تلك الحركات؛ هل القضية فعلًا قضية مظلومية؟ وهل المرأة المشرقية كائن مضطهد ومُحقّر في البلاد العربية أم هي قضية سياسية وشعارات فقط؟

 

قبل الغوص في مظلومية المرأة المشرقية، لا بد لنا أن نتطرق إلى المرأة الغربية، وقراءة نبذة تاريخية عن وضعها السابق، لا شك أن الغرب -أي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية- قد قفز قفزة نوعية في قضية حقوق الإنسان وحقوق المرأة، فنرى اليوم المرأة قد تولت أعلى المناصب مثل رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، واليوم نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، وغيرها من الوظائف المرموقة، وهذا يُولد حالة من الغضب لدى بعض نفوس النساء في الشرق اللواتي يعتبرن أنفسهن يتعرضن للظلم والضرب.

ولكن لنعود قليلًا إلى الوراء حتى نعرف حقيقة حقوق المرأة في الغرب؛ ففي سنة 1804 أُصدر القانون المدني الذي عُرف بقانون نابليون الذي ينص على

تُعطى المرأة إلى الرجل بهدف إنجاب الأطفال،

المرأة هي من ممتلكاتنا.

أما في سويسرا التي تعد دولة متقدمة في قضايا حقوق الإنسان، فلم يكن للمرأة الحق في الاقتراع حتى سنة 1971، بعد الاستفتاء الذي أُجري في فبراير/شباط من تلك السنة، أما الثورة الفرنسية التي تُعد رمزًا لإنهاء العبودية والطغيان فإنها كانت تعتبر المرأة شيئا يقارن بالحيوان، وقامت الثورة بقتل داعية لحقوق النساء وقالوا

إن المجانين والعبيد والنساء ليس لهم الحق في المواطنة.

أما إذا عدنا إلى الحضارات السابقة، أي الرومانية والإغريقية، فكانتا تعتبران المرأة دونية، ولا يحق لها أن تنتخب أو تمارس حياتها مثل الرجل، فكانت أشبه بالعبد، وهي فقط للتمتع الجنسي، كما نعلم جميعًا أن الحضارة الغربية الحالية مستوحاة من تلك الحضارتين رغم الفوارق الزمنية بين تلك الحضارات، إلا أنها أخذت منهما الفوقية والتكبر، واعتبار أن المرأة كائنٌ فقط للتمتع بها لا أكثر.

أما بالنسبة للفكر اليهودي، فكانت الصلاة في الصبح لشكر الله على أنه لم يُخلق وثنيًا ولا عبدًا ولا امرأة، أما في التلمود، فإن كل النساء غير اليهوديات عاهرات، وإذا اليهودي زنى بامرأة غير يهودية فهي التي تُحاسب وتُعدم لأنها أغوته.

 

أما بالنسبة للمرأة المشرقية، فعلينا أن نوضح بعض الأمور؛ فالمقصود بالمشرقية الإسلام، لأن معظم المجتمعات الشرقية تعتنق الإسلام، والمستهدف بشكل مبطن هو التشريع الإسلامي

الذي ظلم المرأة وحقرّها

حسب وجهة نظرهم، وأولًا علينا أن نُفرّق بين العادات القائمة في مجتمعاتنا وبين الشريعة الإسلامية، وعلينا أن ندرك أنه ليست كل الدول في الشرق الأوسط دول إسلامية، وعلينا أن نفرّق بين تطبيق الشريعة وحقيقتها، فإذا كنت موظفا في إحدى الشركات وأسأت التصرف وسرقت وقمت بأعمال مخلة بالأخلاق، فهذا لا يعني أن الشركة هي التي أمرت بذلك، كذلك الإسلام؛ هناك الكثير من المسلمين الذين أساؤوا للإسلام عن قصد أو عن غير قصد.

ولكن بالنسبة لوضع المرأة في المناطق العربية، فإن الإسلام كنظام تشريعي أول نظام أعطى للمرأة حقوقا وحوّلها إلى كيانٍ إنساني لها استقلالها المالي، ولها ميراثها، وتشارك في الحياة السياسية، وفي التجارة وغيرها من الوظائف، وهناك الكثير من الأمثلة الموجودة في السنة النبوية، ولكن بعض المُغرضين الذين يطالبون بمساواة المرأة بالرجل يستندون إلى بعض الآيات التي "تظلم المرأة" حسب قولهم، مثل قول الله تعالى: "يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ"، وهذه الآية تثير جدلا بين الأوساط العلمانية والحركات النسوية، والمشكلة أنهم يقرؤون ولا يفقهون، ولا يعلمون شيئا من الدين. فإذا أردت أن تنتقد شيئا، عليك أن تكون على دراية في كل جوانب الموضوع المستهدف، إن الميراث هو علمٌ يحتاج إلى أشخاصٍ متخصصين فيه كي يفهموا قواعده وأصوله الفقهية، فالإسلام أعطى الرجل في 4 مواضع نصيبا أكبر من المرأة في قضية الميراث، ولكن هناك نحو 30 موقعا أعطى المرأة أكثر أو مثل الرجل في الميراث.

فالقضية ليست قضية ذكورية كما يصفها البعض بقدر ما هي قضية من هو الأحق في الميراث حسب الجيل ومدى القرابة والمصلحة، كما أن القرآن أنزل سورة بكاملها اسمها "النساء"، ولم يُنزل سورة "الرجال"، ولقد ساوى بين الرجل والمرأة في العديد من القضايا، مثل قول الله تعالى"

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى،

وفضّل المرأة على الرجل في الكثير من المواقع أيضًا، فكيف تطالب المرأة بالمساواة مع الرجل وهي مفضّلة على الرجل في الكثير من المواقع، مثل قضية الإنفاق والنفقة والحضانة وغيرها؟

أما الحديث الذي أيضًا يثير الجدل في أوساط الحركات النسوية فهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم

النساء ناقصات عقل ودين.

للأسف إن الجهل الذي يكمن في عقول البعض لا يمكّنه من فهم الحديث بشكله الصحيح، النقص في الدين سببه تركيبة المرأة البيولوجية التي تمر في مرحلة بما تسمى الدورة الشهرية، وفي هذه الفترة فهي لا تصلي ولا تصوم؛ فهذا هو المقصود بالنقص في الدين. أما في العقل فهي كائنٌ يغلب عليه العاطفة، وهذا الشيء من أهم خصائص المرأة وتميزها عن الرجل، وليس عيبًا على الأطلاق، لذلك المرأة هي من تحمل الجنين في بطنها، وهي من تربيه والحضانة من حصتها كون عاطفتها تغلب على عقلها، فهذا امتياز وليس نقصانا إطلاقًا.

أما ما يخص ما يحصل من تعنيف وضرب وإهانة للمرأة فهذا ليس له أي علاقة بالإسلام، والإسلام يرفضه جملةً وتفصيلًا ويحاربه، حتى في مسلسل "باب الحارة" الذي يُظهر المرأة العربية بطريقة غريبة؛ فهذه تقاليد وليست من الإسلام، طبعًا هناك من يتكلم باسم الدين ويسيء للدين، ولكن الإسلام كرّم المرأة وأعطاها استقلالا ماليا وشخصية معنوية، وتستطيع أن تمارس كل الأعمال، وقد حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل الاستشفاء ونقل الحديث ومراقبة الأسعار وغيرها من وظائف مهمة أوكلت للمرأة.

 

أما ما يحصل في بلادنا العربية من ظلمٍ واضطهاد للمرأة، خاصة في لبنان فلا يمثل الدين في شيء، ولكنها حالات شاذة وخاصة وغير مقبولة اجتماعيًا، وتحتاج لحلول جذرية من خلال تحديث بعض القوانين التي تهدف إلى حماية المرأة وليس قضية التحرر التي في ظاهرها التحرر وفي باطنها ضرب مؤسسات الأسرة والزواج وغيرها من أمور تؤدي إلى انحلال أخلاقي واجتماعي. وفي المقابل، فإن المرأة في مجتمعنا اللبناني وصلت إلى أعلى المناصب، مثل وزيرات العدل والدفاع والداخلية وغيرها من مناصب مهمة جدًّا في القطاعين العام والخاص، ولكن هذه الحركات تعمل ضمن أجندات معينة، تهدف إلى إثارة النعرات بين الجنسين وتقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، فإن المشكلة في مجتمعاتنا ليست في حقوق المرأة إنما في حقوق الإنسان، فالإنسان -ذكرا أو أنثى- مهان وغير محترم، ولا يملك أدنى حقوقه الطبيعية بسبب طبيعة الأنظمة السياسية الفاسدة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة