تجربتي مع البطالة كفتاة عربية أصيلة

مدونات - البطالة في المغرب
مدونات - البطالة في المغرب (الجزيرة)

 

منذ فترة طويلة وصديقة لي تزن على أذني، مصرة على أن أكتب تجربتي مع البطالة، بأسلوبي الخاص، الأسلوب الساخر الذي أتحدث به معظم الأوقات، وأصر أنا على التزام الصمت، حفاظا على علاقاتي الاجتماعية وعلى صداقتي معها هي بالذات، فقد ضقت بها ذرعا وبنوبات الضحك التي لا أعلم لها سببا، ولست على استعداد لانتشالها في كل مرة عن أرض الشارع، التي تستلقي عليها مستغرقة في هستيريا ضحك غريبة، لأجد نفسي بين خيار الهرب والبراءة منها، أو تقمص دور رافعة الأثقال؛ لكن بما أني لن أكون معها أثناء قراءة المقال "حاضر عزيزتي، من هذه العين قبل هذه العين"، غير أن للحديث شجون، وقد لا ألتزم بأسلوبي المعتاد.

 

مشكلتنا يا عزيزتي، أننا ولدنا فتيات في العالم الثالث، ليس الأول أو الثاني؛ بل الثالث، نكذب على أنفسنا وعليه، ندلعه من حين لآخر بوصفه في طور النمو، نسأل الله المغفرة، والفقر ليس عيبا؛ لكن العيب كل العيب هو الجهل المستفحل، خاصة في طبقتنا السفلية هذه، والمزيج يعتبر كارثة عظمى، لك أن تتصوري معنى كونك فتاة، في العالم الثالث، وسط كمية من الجهل والتخلف، حيث لا مجال للتملص من الزواج إلا بالزواج.

أثناء الدراسة، كان لدي ما يبرر رفض فكرة الزواج والارتباط، فأنا فتاة أدرس بجد، أتأبط محفظتي أو أحضنها بهيام، أتوجه إلى الصف الدراسي بفستان بطلة المسلسل المكسيكي ذائع الصيت وبتسريحة شعر مبتكرة، بحماس الطفولة التي تأبى التخلي عن ملامحي أو حركاتي، و بكريم الوجه "فير آند لافلي" وأحمر الشفاه الوردي.

ظاهري كان يقول بأني فتاة تبذل النفس والنفيس لإسقاط رجل، فأنا لم أكن أبخل على نفسي بشيء، ولهذا واجهت مضايقات كثيرة

لماذا تتأنقين وتتبرجين إذا كنت ترفضين التكلم معي؟،

لماذا لا تريدين علاقة حب؟.

نعم، سمعت مثل هذه العبارات الرومانسية المقرفة كثيرا، فأنا فتاة أقطن بحي شعبي في دولة من دول العالم الثالث، حيث الحب سبيل للحصول على كل ما غلا ثمنه وصعُب الوصول إليه، وهذا أكثر ما كان يحفزني على حمل شعار:

الله الغني،

لم يكن لدي وقت للتفكير بطريقة للالتصاق بقفا رجل، والغوص معا في مجارير الصرف الصحي، لنخلف أولادا وبناتا، ونعيش في ثبات ونبات عفن ونتن، كانت لدي طموحات أكبر من حجم المجرة.

ثم انتهت الدراسة، ووجدت نفسي فجأة، عارية من دفئ غطاء المبرر، بادية للعيان، ليس بيني وبين التلميحات والتصريحات من حاجز؛ لكن ربك بالمرصاد، جاء الفرج ووجدت فرصة عمل، أمسكت بزمار رقبتها بشدة، والحمد لله أن ليس هناك ما يمنع عمل المرآة، حيث كنا قد قطعنا شوطا طويلا من الديمقراطية.

لم أكن أتغيب أو أتأخر، كنت نعم الفتاة البروليتارية، التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي، على رأي كارل ماركس؛ لكن يبدو أن هذا لم يكن كافيا، كانت هناك محسوبية، ولم أتمكن من تقبل الغش والتزوير، ككل من فتح عينيه على قصص عطية الأبراشي، ترعرع جنبا إلى جنب مع أعداد سلسلة "رجل المستحيل"، "ملف المستقبل"، وختم بالرحيق المختوم والأربعين النووية، مرورا بمسلسلات وأفلام وكرتون هادفة، تحث على نبل الأخلاق والعزة والكرامة، تربيك على أن الخير هو المنتصر، وأن الشر عمره قصير؛ لكن يبدو أن ذلك مجرد كلام، فقد وجدت نفسي عاطلة عن العمل لفترة محترمة، قبل أن أجد عملا آخر.

أثناء فترة العطالة والبطالة، لا يتغير شيء كثير يا عزيزتي، ما عدا بعض التفاصيل البسيطة، المقدور عليها، كل ما يلزمك هو فقط صبر أيوب، حكمة لقمان، دعاء يونس، ومعجزة تمكنك من الاحتفاظ بسلامة عقلك فقط.

 

نحن في مجتمع قد يقسو قليلا على الضعيف، لذا لا بأس إن تغيرت الأجواء، فنحن في شمال أفريقيا، سيبدأ الموضوع بالمناداة عليك مرة واحدة قبل وضع الطعام، بعد أن كان الكل ينادي بلا انقطاع، الكل مصر على وجودك على المائدة، ثم بعدها، في مرحلة متقدمة لم أختبرها بعد، ستنسى ولن ينادي عليك أحد، وهذه سنة الحياة، من حقك أن تشعر بتلك الغصة في حلقك، غصة مرة، مزعجة، مؤلمة، لا ينزلها ماء ولا غيره، وأنت تتذكر ما كان عليه الحال، قبل أن تصر على تطبيق العدالة، وتلعب دور "النمر المقنع" الذي يحارب كل الشرور، من حقك أن ترفع يدك مستسلما أمام تدفق عبراتك السخية، فلسنا نملك شيئا أمام سلطة الطبيعة وتقلباتها، ومن حقك أن تسهر بعد كل كلمة جارحة، ينام قائلها قرير العين، ولا يغمض لك جفن؛ لكن الحياة تستمر.

قد تلاحظ بعض الحيف الطفيف، لا داعي للتبرم من نصيبك، فأنت غير مرئي، قبل وجه كفك وظهره إذا تذكروك بعظمة، البلد لا تنسى ممثلي الشعب والفاعلين السياسيين من المساعدات والدعم، في الوقت الذي يسحل فيه المواطن من أجل الحصول على قنينة زيت، أهلك يتدينون بدين البلد، لذلك لا تستغرب إذا كان نصيب من يعمل أكثر من نصيبك أنت أيها العالة على المجتمع، ولا داعي لسيل مخاطك ودمعك كلما تذكرت أيام العزة والكرامة، فآخر النفق المظلم نور، أو هي نار أشعلها متشرد ما بحثا عن الدفء، لا أعلم.

 

لن يرحب بذهابك إلى أي مناسبة اجتماعية، فأنت ابن البطة السوداء، عار على الإنسانية، لا عمل ولا ذبلة، الإيجابي هو أنه سيكون لديك متسع من الوقت للتأمل والخلو بنفسك، وقت أكثر مما تحتاجه فعلا، لا ضير من مصادقة الأفلام والقصص، ولا بأس من ربط أواصر الأخوة والصداقة على خصرك، وتفريغ كل الطاقات السلبية بالرقص والهز، فلسنا ممن يشكي ويبكي على أكتاف الغرباء، ولسنا ممن يضع يده على خده ويستسلم، نحن نرقص وليكن ما يكن.

سيجدها بعضهم فرصة سانحة لتمريرك إلى عصمة أي عاهة بشرية، سيجلبون لك كل متردية ونطيحة وما أكل السبع، فأنت عاطلة عن العمل، يعني في حكم الإعاقة والشلل الرباعي، ليس من حقك أن تضعي شروطا، من أنت لتتزوجي رجلا يحبك ويقدرك؟

أما إذا كنت من محبي "سندريلا"، ومقتنعة بفكرة وجود الأمير الذي يختطفك من الهم والويل، ليزرعك في قصره المنيف، فآسفة لو خيبت ظنك، وقلت إنه حسب الإحصائيات ليس هناك أي زيجة ناجحة لفتاة هاربة من الزفت، من هربت من الويل لن تجد غيره، لم يعد هناك أمراء يزورون طبقتنا، ليس أمامك إلا ابن عمك الأحول، صديق زوجة ابن عمة خالك المطلق بعدد من الأطفال.

 

في حالات أخرى سمعت بها، بحكم اهتمامي بالبطالة ونفسية العاطلين، قد توضع مائدة الطعام ولا تجدي لك مكانا، قد تمدين يدك إلى الصحن فيبعد عن متناولك عمدا، قد تشتمين بما ليس لك دخل فيه، قد ينزع من قدمك حذاء لبسته بالغلط، وستشعرين بشعور المهاجر الغريب، ستنهرين وتوبخين بلا سبب، ستحاسبين على اللقمة، ستضيقين ذرعا وقد تقررين المغادرة إلى مكان أفضل.

كل الظروف ستتكاثف وستدفعك إلى التمدد أمام أول فرصة زواج، باعتباره الحل الأخير، باعتباره ملاذا، حيث لا تلميحات ولا شماتة ولا تغامز وتنابز، مكان حيث يمكنك الجلوس وأخذ استراحة من كل ما جرح قلبك وكرامتك، ستحلمين بيوم إجازة مما تلاقينه، فإياك والضعف.

 

المسيء يا عزيزتي لا يشعر بأنه يسيء لك، وهذه هي الطامة الكبرى، هو فرد من مجتمع، شخص يحمل جينات وذاكرة أجداد لا يعرفهم، ونحن يا عزيزتي أشخاص حساسون للغاية، رومانسيون وحالمون، نفهم كثيرا، أذكياء جدا، وتلك مشكلتنا.

البطالة والجلوس على الحديدة، يعلمان الكثير، قد لا تشعر إلا ببرودة الحديدة والغصة الملازمة أثناء غوصك في برك الويل؛ لكنك ستكتشف عند الخروج أنك تغيرت بشكل مهول، ستصبح أكثر صمتا، أكثر هدوء، ستفضل الوحدة والخلوة على أي شيء، ستصبح أنانيا جدا، لأنك من قبل لم تجد إلا نفسك، استيقظت فزعا، ولم تجد من يضمك، بكيت، ولم تجد من يمسح دمعك، قلت "الآه" ولم يسمعك أحد، بعد نجاتك سيحاولون إقناعك بضرورة أن تكون اجتماعيا، أن تتغير، ابتسم بعينيك قبل شفتيك ولا تضيع أي "كالوري" في الرد.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة