حكاية الأسد الذي يأكل التفاح

7-شخصية الأسد الملم وابنه على مطلة جبل الزيتون يتأملان المسجد الأقصى والبلدة القديمة عن بعد
شخصية الأسد الملك وابنه على مطلة جبل الزيتون يتأملان المسجد الأقصى والبلدة القديمة عن بعد (الجزيرة)

 

كان الأسد وحيدًا..

نفته أسرته من السباع والضواري، لأنه أوهن روح الأمة السبعية، وأضعف الشعور القومي السبعي، وكان أسدًا شابًا، غض الإهاب، لم يطُرْ شاربه، له ذؤابة، وهذه صفات قيلت في الشاعر طرفة بن العبد، صاحب المعلقة الذي مات باكرًا لم يجاوز العشرين، أو أزيد قليلًا.

حاول طرفة، عفوا، أقصد الأسد الذي فر من الخدمة العسكرية، أن يصطاد حمار وحش مرّة ومرتين وثلاثًا، وكمن وراء التلال، لكنه كان يخفق في الإصابة، لأنه كان يلحق بحمار الوحش من خلفه، فيسبقه الحمار، والحمار الخائف أسرع من الأسد الجائع. وكان الأسد الشاب يجوع حتى يسرد الصوم سردًا، ويسف التراب جوعًا، ويربط على بطنه الحجارة، ويضطر إلى أكل الثمار المتساقطة من الشجر.

يقول المثل: لا يخلو بيت الأسد من العظم، يعود إليها في الأيام العجاف، لكن لم يكن في بيت طرفة جلد ولا عظم. جاء في فلم عالم الحيوان الذي تتّبع سيرة الأسد الشاب الذاتية أنه تعلم الصيد، فأصبح يكمن لحمر الوحش كمونًا صحيحًا، ويكرُّ عليها من أمامها، وليس من خلفها، فلا يليق بالأسود الغدر.

ولحم حمر الوحش من أطيب اللحوم لدى الأسود، فهو لحم مخطط بالأبيض والأسود، وليس مثل لحم الغزلان السريعة، لحم اللون الواحد، اللحم الوثّاب، الذي يقفز مثل كرة المطاط، فظفر أخيرًا بحمار فوجئ بالأسد، وقد خرج له في "حاجز طيار"، فكبح ركضه وأمسك حوافره، وأثار عاصفة غبار ونقع، حتى صارت مثل العباءة، واستطاع الأسد أن يمسك بخناق الحمار في كمين العاصفة، فجندله صريعًا، ورفع علامة النصر، وجلس يلهث فترة ينفض الغبار عن لبدته التي تسربلت بالدماء، فالأسد سريع التعب، وليس في العزم كعزيمة الحمار.

جرّ صيده إلى ظل شجرة، وجلس يأكل من دبره، فأردافه كثيرة اللحم، من غير مشروبات أو عصائر، شبع للمرة الأولى بعد أسبوعين من الفواكه والنبات وحشائش الأرض، وأمسى في بيته عظم وبعض اللحم المقدّد.

 

كنت أكتب من منطقة نائية، وأتعثر في صيد الوحوش، وأخفق في نشر مقالاتي، لأنني أهجم على فكرتي من خلفها، وأجهل قواعد النشر، وآكل التفاح والنبات وخشاش الأرض، ثم تعلمتُ بالتجربة بعض قواعد النشر، ونشرت مقالات، كان هذا قبل 40 سنة، وقواعد النشر في صحف الذئاب مختلفة عن قواعد النشر في صحف بنات آوى، فأنشر مقالًا لدى الذئاب ومقالًا لدى الوعول، فتختلط عليّ خطوط  حمر الوحش، ويزيغ بصري، ولو كنت أستطيع زيارة عواصم الصحف البعيدة لسألت من هو أعلم مني بخطوط التماس والحلال والحرام والمكروه والمندوب والجائز، وعرفت محرمات النشر ومندوباتها.

وقد عرفت بالتجربة، والإصابة والخطأ، أن أصحاب الصحف لن يبخلوا بذكر بعضها، وهم قوم خبيرون بالمحرّمات، ويتجنبون الاقتراب من الشجرة المحرمة، بل يبتعدون عنها كثيرًا، لن يدينوا أنفسهم بوثيقة مكتوبة، يرسلونها لسائل من بعيد، فهم قوم حريصون على أكل لحم الوحش المبرّد في الثلاجات، وأحيانًا يأكلون لحم الجاموس الهندي على أنه لحم حمار وحش، ولحم الجاموس الهندي رديء الطعم، قاس مثل جلد كرة القدم.

 

تغيرتْ قواعد النشر الحديثة في العصر الرقمي والخوارزميات، حتى ليظهر للرائي أنها قواعد مستباحة، لكن الصحف العامة التي ليست لها بداية ونهاية، وليست لها سواحل وجزر، مثل فيسبوك وتويتر؛ لها قواعد وقبّة حديدية تصطاد صواريخ الكلمات المصنّعة تحت الأرض، وكذلك في إنستغرام وتيك توك، فكلها صحف عامة سائلة، لا تؤجر، إلا إذا كان فيها الناشر أمير قبيلة من قبائل التواصل الاجتماعي، يزيد عددها عن عدد قرية يونس بن متى عليه السلام.

وقع لي مرّة أن اعتذرت صحيفة عن نشر مقالاتي بألطف الكلمات، فأدركت أنني خالفت قواعد النشر، وأنني كررت على حمر الوحش والجواميس والزرافات بل والأسود أيضًا. رفعتْ لي الصحيفة البطاقة الحمراء لأنني أضعفتُ شعور الصحيفة القومي وأوهنت عزائم القراء، وكنت أظنُّ أن الصحف مثل الجمهوريات يصطاد فيها الأسد وابن آوى والثعلب أبقار المعاني وظباء الأفكار وأرانب الرؤى، وأن الصحيفة تخاطب القانع والمعتر حتى توهم القارئ أنها صحيفة ديمقراطية، فنُفيتُ وعدتُ إلى أكل التفاح وخشاش الأرض.

هناك شرط جديد في أكثر الصحف كرما وسماحة وفيضا وحُسنا: نريد إعجابات! مضى العصر الذي كنا نبتغي فيه إعجاب هيئة التحرير.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة