في الوقت الذي تتداعى شعوب العالم لنصرة الفلسطينيين الذين يواجهون آلة القتل والتهجير الصهيونية تتمسك الإدارة الأميركية ممثلة في رئيسها الديمقراطي جو بايدن بموقفها المخزي والداعم للاحتلال، ومجددة التزامها ووقوفها في صف ما تصفه بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، كوظيفة تبليغية ترسم تصورا أسطوريا لأسباب العنف الحقيقة، ومعززة المواقف الدولية الإيجابية تجاه الاحتلال بتعليلات مفبركة ومتخيلة للأحداث.
كما أن المستعمِر في سلب المستعمَر حق المقاومة تحمل دلالة ووظيفة رمزية غرضها احتكار فعل القوة للوقوف إلى جانب الجلاد لا الضحية، واعتبار مناهضة الحق السيادي في القتل باسم السلام تحريضا ضد السامية، ومنافية لقيم التعايش الإنساني.
ليست الولايات المتحدة وحدها من كانت تجدد دعمها للاحتلال الإسرائيلي، فأوروبا لا يبعد تاريخها الاستعماري كثيرا عن صرخات المتألمين في فلسطين بجراح القنابل الانشطارية والغازات السامة، وهذه فرنسا ما تركت خطيئة إلا وأمعنت في استخدامها ضد الجزائريين في حرب تحررهم، وبريطانيا التي يشهد تاريخها الاستشراقي الدامي دعمها لسياسات الخوف والعنف تجاه السكان المحليين بمستعمراتها، بل وتتوالى خطاياهما التاريخية من خلال حماية مستعمِر لطالما أبرزته الدعاية الغربية نموذجا ديمقراطيا، وتسابق ألمانيا -على لسان وزير خارجيتها هايكو ماس- لإعلان تضامنها المطلق مع إسرائيل وحمايتها من صواريخ المقاومة الرافضة للأبارتايد.
ظل موقف الغرب من إسرائيل واضحا لا يحتاج إلى كثير من التأويل، وهو الدعم والتضامن المطلق لها عبر مختلف الوسائل المادية والمعنوية، ولأن إسرائيل مرتبطة بشكل وثيق بتاريخ النيوكولونيالية في صناعتها كأسطورة فلا ضير من أن نرى التحامل الإمبراطوري على أي دعوة من شأنها أن تناصر المقاومة المنادية بتصفية الاستعمار، بل إن الغزاة باتو أصحاب حق وسلام بعد محاكاتهم للفلسطيني، معتبرين إياه في حالة اغتراب ممنهجة يعيشها مع مجتمعه في إطار غير قانوني يفتقد للحق في التاريخ والجغرافيا.
الحرب والإعمار.. على هامش السردية النيوكولونيالية
قبل ما يقارب عقدا منذ انطلاقة حركة التحرير الثانية بوطننا العربي كان الأمر في الشرق الأوسط والمغرب العربي الكبير ينتقل من مشاريع الترويض الاستيطانية إلى فضاء استحوذت عليه خطابات رسخت أسطورة إسرائيل القوية، فبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 استفاق العالم على خطاب من ليس معي فهو ضدي، وعلى صورة مشوهة عن العالم الإسلامي العربي بوصفه جغرافيا ثقافية تتعزز فيها الأيديولوجيات المميتة والمناهضة للسلام العالمي كانت إسرائيل كيانا استيطانيا مهيمنا على جغرافيا تكافح لاستعادة حقها الإنساني في العيش والكرامة، حيث عمل الغرب على تصديرها كدولة استثناء.
لم تجد الإدارة الأميركية حينها تبريرات قانونية في الوثب على الهيئات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان أفضل من الادعاءات الملفقة كالإسلام الراديكالي (غزة)، والأسلحة النووية (العراق)، والتهديدات المحتملة في كل من مصر وسوريا لإعادة النيوكولونيالية رسم حدود إمبراطوريتها وفق هيمنة مطلقة تبلغ مرابضها أصوات القنابل الانشطارية والطائرات المسيرة، وبقوة الآلة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية عُيّن بول بريمر حاكما على العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 تحت ذريعة إعادة الإعمار ما تم هدمه بالحصار والقنابل، ومع سقوط الدولة في دوامة الفوضى لم يبق من مشاريع الإعمار سوى تعهدات بـ300 مليار دولار لم ينجز منها سوى 5%، معظمها كان موجها لشركات تخضع لوزارة الدفاع الأميركية.
لم تكن إسرائيل بمنأى عما يحدث في المنطقة، فقد عملت الاستخبارات الإسرائيلية على دعم حركات الانفصال والتمرد، ولأن المنطقة شهدت تطورات تاريخية متسارعة كان على الكيان الإسرائيلي أن يقدم على الاعتراف بدولة كردية شمالي العراق، لتعلو سماء الرافدين راية الاحتلال الصهيوني بكردستان العراق عقب تجمعات جماهيرية مظهرة مدى الاستغلال الصهيوني لطموحات الشعوب في التحرر، وانتهازية مخزية للإمبريالية الغربية الداعم الأول للاحتلال في ترويض الحركات القومية الانفصالية، مما شكل تحديا أخلاقيا تجاه العلاقة بين تحرير الشعوب من أنظمتها المستبدة، والارتماء في حضن الاستعمارية الجديدة من خلال تلفيقات بائسة جردها تاريخ المقاومة من تفوقها الموبوء بالأبارتايد، لخلق جبهات عبر وسائل متعددة في وجه الهيمنة والاستيطان الصهيوني.
لم تتوقف إسرائيل عن التسلل في المنطقة من خلال الاستيطان والحرب مع الفلسطينيين فحسب، بل إنها سارعت لبناء مستوطنات ثقافية واقتصادية على هامش الحلـم الصهيوني في مجتمعنا العربي الإسلامي، ولعل رهان صفقة القرن وتهافت دول الجوار نحوها أحد رواسب الربيع العربي الفاضحة لعمالة البورجوازيات الحاكمة وتنسيقها الأمني والسياسي للتخلص من الحق الفلسطيني في المقاومة والاستقلال الوطني، وقد تم العمل على تحجيم القرارات والاتفاقيات الدولية المقررة لإنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، ولمبادرة السلام العربي المحددة لمعالم الصراع العربي الإسرائيلي إلى صفقة استيطانية حصل بموجبها الاحتلال الصهيوني على رواية جديدة ملفقة بالأكاذيب والأساطير النيوكولونيالية.
لم تترك الطغم المتصهينة سبيلا لمجتمعاتنا للتخلص من هيمنة المافيا السياسية، إذ مع كل فجر ثوري تنادي به حناجر الشباب العرب يتدخل الغرب لحفظ استمرارية أساطيله من الدكتاتوريين، وتحصين سلطة البورجوازية عبر توظيف مختلف الأيديولوجيات التي من خلالها يتم تفكيك المقاومة الشعبية ووسمها بالخيانة، للحيلولة دون تحقيق الشعوب أملها في الانعتاق والتحرر.
ولعل الخطابات التاريخية والسياسية التي لطالما شابها الكثير من اللبس والتصنع كالممانعة والوطنية من حيث تصدرها للقومية العربية واستمراريتها كدعوة مناهضة للاستعمار باتت اليوم أكذوبة بالية جردها الربيع العربي من تغولها المفرط في وجدان أمتنا، مبرزا الخلل الذي رسخته الأنظمة القُطْرِيَة لأسطورة العدو التاريخي الذي لم يختلف عنها في قتل وتشريد الملايين من الناس، وحيث كان الهامش يكتب تاريخه بالمقاومة والتصدي للعدوان تهاوت الأساطير النيوكولونيالية كلها تحت جدار العنصرية الصهيونية وادعاءات الإمبريالية وتخاذل العالم الحر.
ملامح قديمة.. استعادة المقاومة
مع العنف الذي شهدته المنطقة والذي برره كثيرون ممن رأوا في النظم المتعفنة درعا حصينا ضد تدخلات النيوكولونيالية، واتهام المقهورين والمعذبين في الأرض بافتعال الحروب الأهلية والانجرار وراء دعوات التخريب والفوضى الخلاقة كان لزاما أن تطفوا رواية تنطوي على كثير من السخرية والتهكم إزاء الوضع الذي آلت إليه تلك الأنظمة المتشظية من تسفيه للرأي وطمس للحقيقة.
كان من السهل على نخب مارست التضليل الوطني وانحيازها إلى سلطة قتلت المئات من شعبها وهي تتجرد من التزامها وواجبها الأخلاقي الذي فرضته اللحظة التاريخية والمفصلية في مقاومة الاستعمار وأدواته أن تصف انتفاضة عربية بدت طلائعها تتأتى مع ذروة القهر والخوف الممارس طوال عقود بعد الاستقلال الوطني عن المستعمِر بالربيع العبري، ولينبري أولئك المثقفون الراسخون في تأليه التفوق الغربي والانصياع المطلق لماكينة التزييف النظامية مع كل بصيص أمل سمحت به الضرورة التاريخية لتعيد جرد ماضينا الأسطوري إلى تغيير ملامح الانتفاضات العفوية لجيل ما بعد أيديولوجي نحو المزاعم بالأصولية والإرهاب، وليشهد المُخبر الثقافي المتهاوي إرثه في أزقة مصر المنتفضة وحارات دمشق المتغنية بالحرية وجه الشبه بين المستبد والاحتلال الصهيوني في قدرتهما على استخدام العنف الممنهج للقضاء على أي انتفاضة.
لقد خلف الاستعمار لنا حدودا وفق تقسيماته وصراعاته، وأورثنا خطيئته التاريخية وفق ذهنية متعصبة تبنت تفكيرا خاصا بالبورجوازية الاستعمارية، وهو اليوم يعيد لتلك الأبراج المتهاوية أساطيره لاستعادة ما تبقى له من مزاعم ألبستها الحروب الأهلية لباس الخوف والدمار، وشردت الملايين ممن تغنوا سنينا عددا بالحلم العربي الجامع من المحيط إلى الخليج، علينا أن ندرك تجاوزات النيوكولونيالية في استخداماتها العنيفة والوحشية لتغيير ملامح المنطقة، وتحقيق طموح الصهيونية لمحو فلسطين التاريخية من الذاكرة العربية.
نحن اليوم على مرمى حجر من انتفاضة فلسطينية ثالثة توشك أن تدق أجراس التحرر الأخيرة، وهي ترقب الوضع المتردي والمتأزم الذي آلت إليه المنطقة العربية بعدما تحركت الجماهير لاستعادة الجغرافيا المسلوبة منها، انتفاضة أعادت حكاية العربي إلى مجده الثوري المناهض للاستعمار، وحجم التضحيات التي قدمت في سبيل أن تنال أوطاننا استقلالها الحقيقي.
إننا ومع الزيف المتراكم من آلة الدعاية الغربية وأدواتها في المنطقة نرصد مستقبلا مشرقا لقضيتنا العادلة مع شعوب العالم المناهضة للأبارتايد والاستعمارية الجديدة، فهذه فلسطين المنتفضة تدق مسمارا في نعش الأسطورة النيوكولونيالية وهي تقدم التضحيات في سبيل استعادة الأرض التاريخية من المحتل.
وبينما تلتهب العواصم العربية والغربية بالمظاهرات المساندة للحق الفلسطيني والمناهضة للاحتلال الصهيوني تتقلص دائرة القمع والتزييف الإعلامي والسياسي والثقافي، كي تنحصر في مجموعات ومؤسسات دولية استيطانية تعترضها حركات كالسترات الصفراء ومنظمة "احتلوا وول ستريت"، وعلى هذا النحو من الرواية الجماهيرية في مساندة المقاومة تتسع رقعة التضامن العالمي لتشمل الجغرافيا الثورية كدعوة ليست استثناء، بل ضرورة تاريخية وقيمة أخلاقية يتم من خلالها استشعار قابليتنا للاستعمار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

