شعار قسم مدونات

فيلم تنصيب الأسد لنفسه!

لاجئون سوريون فارون من الحرب ينتظرون الحصول على وجبة بمخيمهم بشمال العراق (غيتي إيميجز)

 

في فيلمه الرائع "الدكتاتور" قدم شارلي شابلن محاولات عدة لتقليد الزعيم النازي هتلر، في مشهد الكرة الأرضية التي يحملها على هيئة بالون وهو يقبض عليه لحد الانفجار لإبادة الجنس البشري المزعج، موسيقى فاغنر التي رافقت المشهد، تشبه موسيقى الحفلات والابتهاج التي رافقت " انتخابات" إعادة تنصيب الأسد لنفسه.

 

الرقصات والدبكات التي كانت طيلة عقود حكم البعث معبرة عن " فرح" المقهورين بسفاحهم الأسد الأب ومن ثم وريثه الابن، فكل من عرف سوريا في التاريخ المعاصر في حقبة الأسدين، يعرف أن لا انتخابات تحدث في أي مؤسسة من مؤسساتها أو دوائرها أو نقاباتها القائمة، وأن أمن النظام ورأسه هو المتحكم بكل شاردة وواردة، فكيف للسوري أو العربي أن يصدق بعد هذا الحطام المتربع على عرشه الأسد هو بإرادة السوريين.

تزوير الواقع والوقائع عشنا تفاصيله طيلة 10 أعوام، وشهد العالم أفظع الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد بحق المجتمع السوري، كل المواقف الدولية التي كانت ضد ممارسات الأسد وضد جرائمه الموثقة بالصوت والصورة وأطنان الوثائق والشهادات والضحايا، لم تشفع لهم أن يتخذ المجتمع الدولي موقفا حاسما تجاه عذاباتهم.

وكل موقف معلن أن "لا شرعية للأسد وانتخاباته"، وأن لا مستقبل للأسد في سوريا، مع إقرار مؤسسات دولية ومحلية وقانونية دولية ومواقف سياسية كلها تحمل نظام الأسد المسؤولية الكاملة عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، في الوقت الذي كانت تعني التشجيع لمواصلة الجرائم المحمية بقوتين عظميين "روسيا والصين" وبمساندة قوى الاحتلال الإيراني والعصابات المرتبطة بهما.

لا يمكن استخلاص تربع الأسد وسيطرته على دماء السوريين، من دون التساهل والنفاق الدولي والإقليمي والعربي حيال تلك الجرائم، وما تفوه به ابن خال الأسد "رامي مخلوف" في العام 2011 لصحيفة وول ستريت جورنال، من أن أمن النظام مرتبط بأمن إسرائيل، هو الصحيح، والباقي في جملة قراءات غربية وإسرائيلية لفائدة استمرار قيادة الأسد لسوريا.

والمقصود بقيادة مستقبل سوريا والعملية السياسية وجنيف وغيرها من القرارات الدولية، لا تعني شيئاً مقابل أهمية بقاء الأسد كنظام باطش بالمجتمع السوري، وهو الأهم إسرائيلياً وأميركياً، باعتبار أن حرية السوري ونيل مواطنته وكرامته، يشكلان عامل رعب يقلب موازين القوى في المنطقة لصالح استمرار الثورات العربية وإحداث التغيير المنشود.

التأكيد على سياسة تحطيم حياة السوريين هي الرسالة المهمة المراد توجيهها بإعادة السفاح تنصيب نفسه بوحشية وقسوة لا مثيل لها بتاريخ سوريا المعاصر.

 

رسالة إدلاء الأسد بصوته في مدينة دوما بغوطة دمشق هي المهمة في الإشارة والدلالة، بعد تدمير المدينة وتهجير سكانها وإحداث تطهير عرقي كما بقية المناطق الثائرة، تنطوي على إظهار النظام صلفه في وجه العالم المتحضر الذي كان يتباكى على مستقبل سوريا، وفي وجه الإنسان العربي الثائر، فكما خُذل السوريون في سنوات الثورة من قبل، يُخذلون اليوم، في مرحلة تنطوي على حد ما من الانسجام، بين القدرة العملية لوحشية النظام وبين المعاني التاريخية التي تمثلها وظيفته المتوجة بتحطيم حياة المجتمع السوري الثائر على طغيانه.

فائدة وجود الأسد، بانتخابات مزعومة أو بتوريث واغتصاب للسلطة، هي المهمة، لا في أهمية البحث عن محاصرة النظام ومحاكمته عن الجرائم، لأن الأصل في الجريمة وجوده كمغتصب للسلطة ودكتاتور سفاح، والسماح بتمرير مسرحية الانتخابات والقفز على كل القرارات الدولية المتعلقة بالعملية السلمية هي لإعادة تعويم الأسد، والإيعاز لأطراف عربية بالتطبيع معه تدخل في صلب تمرير تطبيع موازٍ مع الاحتلال الصهيوني، فمعظم الأنظمة المهرولة للتطبيع مع الأسد لديها هرولة موازية نحو التطبيع مع إسرائيل.

بمعنى رسائل انتخابات الأسد الحقيقية، كانت قد أنجزت منذ سنوات في صناديق المؤسسة الصهيونية وصندوق النظام العربي المتشارك مع الأسد بنفس المهمة القاهرة والمذلة للإنسان العربي، ولا أحد مهتم بالأصل إن كان الإنسان العربي يمارس حقه الدستوري، أو يحصل على مواطنته وكرامته في ظل أنظمة مستبدة ومجرمة.

الخاضع للقياس والمراقبة هنا في أداء النظام السوري، من قبل الإدارة الأميركية والغرب، هو بالضبط ما يتعلق بقدرة الأسد أحكام الطوق على حدود المحتل وتأمينه، والباقي تفاصيل غير مهمة، قياس يخضع له معظم النظام الرسمي العربي وقدرته على احتواء غضب الشارع وعدم تحويله بوصلة الغضب نحو أنظمة تدمر أوطان بحجة حمايتها من المؤامرات الخارجية.

 

الأسد " فاز" بإشهار جبروته في وجه العالم، وبإشهار جرائم الحرب والإبادة الجماعية ونجح باستخدام كل أنواع الأسلحة لتحطيم المجتمع السوري، ونجح بما عجزت عنه حتى آلة الاحتلال الهمجية، والأوضاع السائدة من جرائمه وجرائم قوى الاحتلال المساندة له، لا تسطيع همجية الاحتلال الصهيوني إحداثها، لتهجير الملايين وقتل مئات الآلاف تحت التعذيب، فلا يضير المجتمع الدولي المنافق أن يكون القهر ملازما للسوريين.

لكن يتناسى المجتمع الدولي وسفاح السوريين أن مراكمة ملايين الأسباب لهزيمة الأسد باقية ومتجذرة، وما كان قبل 2011 من سيطرة للأسد على كامل الجغرافيا السورية أنتج ثورة هزت أركانه، و"شرعيته" المستمدة اليوم من تحالف الطغاة مع المحتلين لن تنقذه حتى لو اتشح ببذلة رسمية والتقط صورة أمام صندوق اغتصاب السلطة واستمع لموسيقى " النصر"، هتلر فعلها وموسوليني وفرانكو وبول بوت والأسد يفعلها، فالطغاة مصيرهم واحد والشعوب مصيرها الحرية.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.