الشيخ شريف سليم الأزهري رائد العلوم التربوية..

 

تكمن القيمة العلمية للشيخ محمد شريف سليم في أنه كان أول من ألّف في علوم التربية من بين علماء الدين واللغة العربية، كما أنه كان أول من عُني بمناهج فرع مهم في تعليم اللغة هو التهجي، وقد برزت أهمية هذا العلم مع اتباع طرائق التعليم في مدارس أولية موازية للكتاتيب التي كانت تعتمد على نوع من التعليم الفطري المرتبط بموسيقى السماع واللحن المميز لإنشاد الجموع، فلما جاءت المدارس الأولية أصبحت هناك حاجة إلى وضع قواعد يهتدي بها المعلمون في تعليم الأطفال، وأن تكون هذه القواعد ذات أساس علمي ولغوي لا يخرج باللغة المتعلمة عن أصولها، وهذا هو جوهر الاهتمام بفرع التهجي، وكان هذا بالطبع سابقًا على مرحلة أخرى من العلوم االتربوية ومن التعليم المرتبط باللغة وهو تعليم الإملاء الذي أبدع فيه أساتذة اللغة حتى وصلنا إلى عالم جليل هو الأستاذ مصطفى عناني الذي كان كتابه بمنزلة "التقويم" أي الشيء الثابت أو المحتم وجوده في كل جيب وعلى كل مكتب، وقد سمي "نتيجة الإملاء" وهو ما يقابل في اللغة الإنجليزية: كتاب الجيب، ودليل الجيب، أوالكتاب المعياري الذي لا بد من وجوده في كلّ  قاعة من قاعات التربية .

 

نشأته و تعليمه

ولد الشيخ محمد شريف سليم في حي الدرب الأحمر بالقاهرة، وحين بلغ الـ11 من عمره كان قد أتمّ حفظ القرآن الكريم لكنه لم يلتحق بالأزهر مباشرة وإنما التحق بمدرسة القربية الابتدائية أولا، وظل مرتبطا بالتعليم المدني حتى إنه بعد أن التحق بالأزهر (1870) ظل يدرس ليلا في مدرسة معروفة كانت مشهورة بتعليم اللغات هي مدرسة الشيخ صالح .

وفي تلك المرحلة زامل الشيخ محمد شريف سليم صنوه العالم الجليل حسن توفيق العدل، وتعلّما اللغة الفرنسية معًا في تلك المدرسة، وعام 1883 التحق بمدرسة دار العلوم وتخرج فيها في فبراير/شباط 1888، في الدفعة الأولى التي ضمّت أيضًا زميله الشيخ أحمد الحملاوي وهي الدفعة التالية لدفعة حسن توفيق العدل (تخرج عام 1887) والسابقة على دفعة محمود بك النصر نقيب المحامين (الذي تخرج عام 1889).

 

انتدابه للتدريس في فرنسا 6 سنوات

كان من حسن حظ الشيخ محمد شريف سليم أن انتدب عقب تخرجه ليتولى التدريس للطلاب المصريين الموفدين في بعثة إلى فرنسا، وقد سافر من الإسكندرية في نهاية مارس/آذار 1888، وبقي هناك 6 سنوات كاملة، وكان من حظه أن حضر بعد عام وهو في باريس معرض 1889 الشهير الذي أقيم في برج إيفل بمناسبة إقامته أي إقامة المعرض، وذلك على نحو ما فصلنا القول في تاريخ ذلك المعرض في كتابنا "باريس الحيوية: أصداء باريسية في أدبنا الحديث".

 

تأهيله الفرنسي ورحلته المخطوطة

انتهز الشيخ محمد شريف سليم وجوده في فرنسا والتحق بمدرسة المعلمين، ونال إجازة التدريس. وسجل الشيخ محمد شريف سليم رحلته هذه في 7 أجزاء لا تزال مخطوطة، أدعو الله أن يحقق أمنيتي في أن تنشر قريبا في نطاق مشروع كنوز القرن الـ19.

 

عمله بعد عودته

عمل الشيخ محمد شريف سليم بعد عودته مدرّسًا لفن التربية (أي علوم التربية النظرية والعملية) في قسم المعلمين العربي (كان هذا هو اسم دار العلوم في ذلك الوقت) مدة 3 سنوات (1895-1898).

 

ريادته للتأليف العربي في علم النفس

تذهب الكتابات المؤرخة للحركة العلمية إلى أنه كان صاحب أول كتاب في علم النفس باللغة العربية، وقد ضمنه محاضراته التي كان يُلقيها ويُمليها، لكن الكتاب لم يُطبع إلا عام 1911.

 

اختياره للتفتيش في الوزارة

لما أخذت مصر بسياسة الاهتمام بالتفتيش من أجل تحقيق الجودة وعهدت إلى حسين رشدي باشا (رئيس الوزراء في ما بعد) بهذه المهمة، اختير الشيخ محمد شريف سليم ليكون أحد المفتشين (1889)، ورقّي مفتشًا للتعليم العالي عام 1902، وظل يمارس هذه المهمة الإشرافية والتوجيهية والتقنية حتى نوفمبر/تشرين الثاني 1916 إذ تولى وضع اللمسات العملية على تدريس اللغة العربية في التعليم العام.

 

اختياره ناظرًا لدار العلوم

في نوفمبر/تشرين الثاني 1916 اختير الشيخ محمد شريف سليم ناظرًا لدار العلوم، وبقي يشغل هذا المنصب حتى توفي (أكتوبر/تشرين الأول 1925)، أي إنه شغله 9 سنوات كاملة وكان في شغله هذا المنصب مناظرا وموازيا لفتح الله بركات باشا الدرعمي اللاحق به في التخرج الذي تولى نظارة مدرسة القضاء الشرعي .

وكان الشيخ شريف جادًّا في معاملته لطلاب دار العلوم، لكنه كان متبسّطا مع زملائه من المدرسين، وكان حسن الفكاهة، راوية للتاريخ، مُلمًّا بالثقافة العامة.

 

إسهامه البارز في مؤتمر التعليم الأولي

كان الشيخ محمد شريف سليم أحد أبرز المشاركين في أول مؤتمر علمي للتعليم الأولي، الذي انعقد من 11 إلى 16 يوليو/تموز 1925 في عهد علي ماهر باشا .

 

تمثيله مصر في مؤتمر المستشرقين بإيطاليا

كلّف الشيخ محمد شريف سليم بتمثيل مصر في مؤتمر المستشرقين بروما (أكتوبر/تشرين الأول 1899)، وقدم في هذا المؤتمر بحثا مطولا بعنوان مستقبل اللغة العربية، وهو البحث الذي نشرته صحيفة دار العلوم بعد 10 سنوات (1910).

 

عضويته في المجمع اللغوي القديم

كان الشيخ محمد شريف سليم عضوًا في المجمع اللغوي القديم (1919) الذي كان يضم عددًا من أفذاذ اللغة، والذي لا نزال نبذل جهدنا في جمع تاريخه الضائع، والذي كان من أعضائه الشيخ محمد رشيد رضا وإدريس راغب وإبراهيم رمزي والمستشار صالح جودت ومحمد علي دسوقي والأستاذ صادق عنبر.

 

عضويته في نادي دار العلوم

كان الشيخ محمد شريف سليم مع الأستاذ حنفي ناصف من أبرز أعضاء نادي دار العلوم ومحرري صحيفته الأولى.

 

موهبته الفنية في الخط

كان الشيخ محمد شريف سليم خطاطًا مجيدًا، ويُذكر أنه نسخ رحلته الأوروبية بخط جميل.

 

إنتاجه الشعري والأدبي

اشتهر من إنتاجه الشعري والأدبي قصيدته في رثاء زميله حسن توفيق، وله رواية تمثيلية بعنوان الجاهل، مثّلت عام 1884.

ومن قصيدته في رثاء زميله حسن توفيق العدل: عمَّ الأسى حين لبّى ربَّه «حسَنُ توفيقُ»، واشتدت الآلام والحزَنُ لما أتى نعيُهُ من «كمْبَرِدْجَ» على جناح برقٍ فسالت أدمعٌ هُتُن.

يا نشأة المجد أرداك المنون ولم

يمهلك حتى تنال المأرب الزمن

 

ذقت الحِمام غريبًا ليس يحضره

ممن يُفَدّيه لا أهلٌ ولا خَتَن

 

رحلتَ عنا ومصرٌ كلها أملٌ

والآن عدت ومصر كلها شجن

 

رجعت للوطن الأصلي وأَنْفَسُ ما

مضت حياتك فيه الدين والوطن

 

كم ليلةٍ بتَّها للعلم تُحرزُهُ جفا

عيونك في أثنائها الوسَن!

 

وكم نهارٍ صحبتَ الجِدَّ فيه ولم

يأخذك في عملٍ كَلٌّ ولا وهَن!

 

كانت أحاديثك الشهدَ الشهيَّ ومن

سنا محياك كانت تسطع الفِطن

 

وكان لطفك يسبي من تعاشره حتى

غدا اللطف معنًى شخصُه حسن

 

وقد خلقتَ أبيَّ النفس ترفعها

عن أن يكون عليها لامرئٍ منن

 

وما توسلْتَ في نيل العلا بسوى

كفاءة منك لم يُقدَر لها ثمن

 

أُصبتِ يا مصر فيمن لم يعزَّ

عليــه لارتقائك لا روحٌ ولا بدن

 

جاب البلاد ابتغاء العز يجلبه

إلى حماك فعاقت سيرَهُ المحن

آثاره التربوية

  • خلاصة المنشآت السنية لمطالعة المدارس الثانوية (3 أجزاء).
  • كتاب المطالعة الابتدائية 1902.
  • كتاب التهجي والمطالعة.
  • علم النفس 1911.
  • مختارات من النثر والشعر لطلاب المدارس 1912.

آثاره العلمية

  • شرح ديوان ابن الرومي في مجلدين.
  • ملخص تاريخ الخوارج.
  • المترادفات (بالاشتراك).

 

آثاره الإبداعية

  • رواية الجاهل.
  • رحلة إلى أوروبا (7 أجزاء) 1888-1894.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة