غدر الأقارب.. الماضي الجميل

نزهات قبل رمضان مع العائلة (الجزيرة)

 

تمضي بنا الحياة بحلوها ومرها.. نضحك في معظم الأحيان جهرا ونبكي أحيانا أخرى سرا.. نتقاسم لحظات حلوة مع أقارب اعتدنا رؤيتهم منذ الطفولة.. ألفنا ابتسامتهم الجميلة، بل وصارت حتى رائحتهم الزكية تنعش أرواحنا من الداخل. ومن منا لا يحب أحبابه ولا يُمَنٍّي النفس بلقائهم في أقرب الآجال؟ من منّا لا يرى الصمود إلا بجانبهم ولا يتخيل عرسا بدونهم أو قرحا بعيدا عن أحضانهم؟!

صحيح أن الأقارب فخر وحب وانتماء، لكن هل صحيح أن لدغاتهم تكون مميتة أكثر من الكوبرا، أو المامبا، أو الأناكودا التي لا تقضي على فريستها بسم قاتل ولكن بضمة مميتة لا انعتاق بعدها ولا أكسجين يحيط بها؟
هكذا تكون أحيانا ضمة الأقارب، دافئة حد الغرق في عوالم خيانة لا حدود لطموحاتها، وخانقة حد الوثوق بقدرتها على محو كل ماض جميل كُتِب بلون الغدر والأذية..

ألفنا منذ زمن بعيد سماع وقوع مشاكل بين العائلات، وكم استغربنا من اختيارهم في نهاية المطاف الاستغناء عن الأقارب للعيش في سلام.. بل وحتى نسيانهم واعتبارهم في عداد الموتى أو المفقودين.. لكن أين هي مبادئ ديننا الحنيف من كل هذا.. أين قيم التسامح والتآزر والتغاضي والسلم؟

هذا ما سيقوله من لم يجرب بعد لدغاتهم ومكرهم.. أما الذين ذاقوا من هذه الكأس فسيتنهدون تنهيدة يضاهي عمقها عمق نفق "غوتار" الذي حير علماء الهندسة بتصميمه وعظمته، وقارب طولها.. طول نهر النيل العظيم.

الأسلحة المتاحة

أكيد أن الأقرباء لن يحتاروا ولو للحظة إذا ما قرروا الثأر من أقرب الناس إليهم لأنهم يعرفون مواطن ضعفهم وقوتهم.. يدركون أحب الأشياء إلى قلوبهم وأغلاها عندهم.. هم يتذكرون تلك التفاصيل التي جرحتهم وتلك الآلام التي اشتكوا لهم منها في أحضانهم.. هم يملكون العُدَّة الكافية للهجوم.. والأسلحة المدمرة لأكبر خيانة في تاريخ البشر.. فلقد بُحنا لهم بالكثير.. بتفاصيلنا الصغيرة والكبيرة.. بأسرار مراهقتنا ومغامرات شبابنا وحتى أحلام شيخوختنا.. لأننا لم نتخيلهم إلا أبطالا وقت الشدائد ورفقاء وقت الضحك واللمة العائلية..
لكن الخرفان التي تخال أن راعيها لها حافظ، بل وتتبعه بكل ثقة حتى لو وطئت قدماه حواف بئر عميقة، أو ملتقى طرق خطير ينتهي بهم المطاف على شكل لقمة سائغة في ثغره المبتسم الذي لا يكتفي بالمضغ وحسب، بل والتلذذ بطراوة شرائح اللحم الفتية النقية الذي كان ذات يوم يطبطب عليها فوق صوف منكوش..

وما ضرني بعيد يجهلني.. إنما أوجعني قريب يعرفني

هذا إذن هو الفرق بين الغدر الذي يأتيك من غريب وآخر يزعزع كيانك حين يصدر من أقرب الأقرباء.
فالأول متوقع وغير مؤلم، لأن الشخص في حد ذاته يعتبر "كعابر سبيل" في درب حياتك.. أما في الحالة الثانية فأنت تعيش الألم مرتين.. وتتلقى بدل الصفعة صفعتين.. ألم الغدر وصفعة هُوية صاحبه.
فحتى اللغة لا تستوعب الموقف، فكيف إذن للعقل البشري أن يتقبلها!
كيف لشخص عاش سنوات من حياته يضرب المثل بذاك الحب الذي يجمعه بأقرباء يحسبهم للروح خلانا!
يرى الصدق يتراقص في أعينهم الغادرة! ويحسب نفسه قادرا على مجابهة أقوى العواصف إذا ما وضع يده في أيديهم. كيف له أن يراهم فجأة أعداء.. فحتى المرور من الحب والأمل إلى الكراهية والألم لا يكون بهكذا سرعة! إنها وبكل بساطة صدمة العمر.
فما هي يا ترى تجلياتها وإرهاصاتها على الفرد والمجتمع؟

الغرباء ناس يسعفوننا بعد جرح الأقرباء

بقدر كل ذلك الألم وهول الصدمة يعود الإنسان ليصمد من جديد، ويستقبل العالم بمعية أسرته الصغيرة التي تبدو فجأة عظيمة مبتسمة متراصة ومتأهبة لمواجهة جيوش الدنيا المسلحة من أجل نصرة ذاك الحبيب الذي أصابته رصاصة غدر قريبة.. وتجد كذلك ذاك الذي كان ينظر للغرباء أو للأصدقاء نظرة انتقاص يستبق فيها وقوع خبث وخداع لم يمر ولو لهنيهة ببالهم، يعود متأسفا إلى أحضانهم ليشكو همه وحزنه، أو ليتقاسم فقط لحظات أنس اشتاقت لها جوارحه المنتصرة.

وكيف لنا ألا نتذكر في هذا السياق قصة سيدنا يوسف عليه السلام الذي غدره أقربائه وأسعفه الغرباء بل وأكرموا مثواه وفرحوا باستقباله واحتضنوه ليبدلوا حزنه فرحا. وبقدر إشارة هذه السورة العظيمة إلى مكائد أقرب المقربين ومؤامراتهم الشريرة بقدر ما أعطتنا مثالا جميلا عن الصفح والتجاوز وعدم رد الإساءة بمثلها! لكن هل نقدر نحن البشر العاديون على مسح آثار الماضي الخبيث؟ هل بإمكاننا نسيان تلك النظرات المملوءة بالحقد.. والكلمات الجارحة التي تدمي النفوس والقلوب؟

أما العفو فقد نعفو وأما الود فلن يعود

قد ننسى الأقارب.. قد نمر على أسمائهم كما لو مررنا على جنبات قبور منسية..

قد نرى الحياة أفضل في غيابهم بعدما خلناها لن تحلو إلا رفقتهم! قد نسامحهم، قد نعفو أو نتجاوز باسم مبادئ لن نتخلى عنها حتى لا نشبههم، لكننا حتما لن نعود لنسند رؤوسنا بثبات على أضلعهم المليئة بالأشواك أو نسترسل معهم في الحديث والبوح ليعودوا ويقصفونا من جديد بضربة قاضية..

ونهاية المطاف يبقى الأقرباء أناسا عاديين ميالين للخطأ والزلات.. قد تكون خيانتهم نتيجة لحقد متراكم، أو غيرة دفينة أو حتى خطأ تجاوز حدود رغبتهم.. هم بشر كسائر البشر اختارهم لنا القدر ليكونوا منا وإلينا، شئنا أم أبينا، رغم حسرتنا ودموعنا وخيبتنا فسيظلون جزءا من حاضرنا وماضينا ومستقبلنا. فلنعف عنهم إن استطعنا أو نعتزلهم إن تأذينا وإذا ما بلغ السيل الزبى سيظلون أمواتا في قلوبنا وفي ضمائرهم.. أحياء في زمن الاقنعة وغدر الأقارب.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة