شيفرة بلال.. بين الماضي والحاضر!

(مواقع التواصل )
(مواقع التواصل )

 

"أحد.. أحد" كان لكلمته تلك وقع خاص على قلبي الصغير، وأنا أحملق باندهاش طفولي في شاشة العرض الكبيرة لفيلم "الرسالة" وعلى كبر الشاشة كانت تلك الصخرة، يا للعجب كم كان قويا رغم الألم!

وتنامى حبي لهذا الرجل مع السنين لينمو ويصبح ذا ارتباط عقدي خاص برسالة خير الأنام، أتعجب كم كان لهذا الرجل الحبشي الأعجمي اللسان من محبة في قلب النبي محمد ﷺ حتى أوكله منصب الرفعة لينال شرف رفع نداء التوحيد العلني الأول في الإسلام، فكان أول من صدح بالله أكبر على ظهر الكعبة، وكان أول من دخل الجنة من المؤمنين، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر:

يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال ما عملت عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي،

واللفظ للبخاري.

كانت الصخرة أولى علامات النصر عند بلال، فاستحقت أن تكون شاهدا على صدقه على مدى التاريخ، وفي خضم الأحداث الأخيرة وأثناء مُشاهدتي لما حدث لجورج فلويد، عدت بذاكرتي لصخرة بلال، فإذا بالشرطي يتحول إلى تلك الصخرة، وإذا ببلال يتجسد أمامي مرة أخرى، ولكنه لم ينج هذه المرة!

حزنت جدا وشعرت لوهلة بأن هناك خطأ ما في هذه الشيفرة، فأخذت أقلب قصتي لأعثر على لغز الصخرة الخاص ببلال؛ فإذا به قوة المعتقد (أحد.. أحد). نعم، العقيدة الصادقة في صدق اللجوء إلى الله كانت سببا في نجاة بلال الماضي، وبرحمة من الله ليكون قدوة وأهلا لحمل رسالة عظيمة للأجيال اللاحقة، مبدؤها الإيمان الراسخ وآخرها النصر.

بلال الحبشي رفيق رسول الله ﷺ كان محورا هاما ونقطة التلاقي بين شخصيات القصة، بدءا من أمجد الكاتب الجامعي الشرقي التائه بين هويته الأصلية ونشأته الغربية وتأرجحه بين الإيمان والإلحاد، إلى عبدول الطالب لرحمة الله رغم كثرة معاصيه، وسعيد المعتز بدينه رغم الانحرافات الأخلاقية التي أرهقت لاتيشا زوجته، ووالدة البطل الرئيسي بلال النيويوركي الطفل الصغير الكاتب الممتلئ ذي 13 عاما، والمصاب بورم دماغي من نوع نادر.

هذا الترابط التسلسلي بين المتخيل والواقع أضفى مزيدا من التشويق على الحبكة القصصية، وأشعل في نفسي الشغف للوصول لحل رموز هذه الشيفرة العجيبة، فالأحداث في القصة تستدرجك لتبدأ معها بهدوء ثم تتسارع لتصل بك إلى الذروة، ومن ثم تتباطأ من جديد عودة بك إلى الماضي البعيد ورجوعا إلى الحاضر، ومن ثم  تصل بك إلى المحطات الأخيرة لتجد نفسك في المُستقبل والحاضر معا، وهذا ما لمحته في الأسلوب القصصي للقرآن الكريم، وإن دل هذا فلا يدل إلا على قدرة الكاتب ومهارته في توظيف علومه الدينية والدنيوية لإنتاج الحبكة القصصية، فوصف حال مرض بلال كطبيب بشيء من التفصيل لنتعايش مع معاناة المرضى وذويهم، ووظف علومه الدينية لينتج عملا أدبيا هادفا يلخص الكثير من القضايا الاجتماعية تحت شيفرة (أحد.. أحد).

كانت بدايات دخول بلال الحبشي إلى عالم بلال النيويوركي لحظة تفكيره بوالده سعيد الذي انفصل عن والدته لاتيشا بعد أن اختار اسم بلال الحبشي حبا لشخصه. وعلى رغم ما كان منه من معاقرة للخمر والمخدرات، فإن جانبه الإيماني انتصر عليه في لحظة احتضانه لطفله الصغير، ليبدأ سعيد في رحلة تحطيم صخرته الخاصة، ولكن ما لبث أن نسي ما كان، وعاد لطبائعه المشينة مرة أخرى، فظلت تلك الصخرة جاثمة على صدره في مراحل تحطيمها الأولى، وأعتقد أن ذلك كان ردا مناوئا وهروبا من واقع النقص تجاه زوجته لاتيشا التي كانت تغايره في المستوى التعليمي، ولكنها لم تعيّره بذلك يوما لأنها كانت تحبه بجنون وتعتبره نقطة ضعفها، إلى أن تحول هذا الحب لطفلها بلال، فألقى عبء حب سعيد ليحطم تلك الصخرة الجاثمة على قلبها ويستبدلها بحب من نوع آخر.

كانت قصة بلال والصخرة نقطة تحول لكل فرد من شخصيات القصة، فمثلا في حياة بلال الطفل الصغير أصبحت ذات تأثير أقوى مما كانت عليه بالنسبة للآخرين، فما لبث أن عرف باحتمالية وفاته حتى أصر على معرفة بلال الحبشي عن قرب، ولماذا كان هذا الاسم بالذات هو اختيار رجل بأخلاق والده؟!

هذا فعلا ما زاده إصرارا على التعرف على سر الاسم عند رؤيته لإعلان الفيلم المسمى بلال، وفعلا وصل للسيناريو الخاص به فقط عن طريق أمجد، وعرف الكثير عن بلال والصخرة، ولكن لم تكن هذه المرة صخرة واحدة بل اثنتين، صخرة بلال الحبشي المؤمن التي تمثل المقاومة والصمود في سبيل تحقيق قيمة سامية والانتصار لقضيته ودعوته، وفي المقابل كانت صخرة سيزيف تمثل المعاناة في سبيل اللاشيء والعبثية، وهي ما حمله أمجد على كاهله فترة من الزمان قبل أن يبدأ تحطيم صخرته الخاصة.

كانت قصة بلال الحبشي ذات وقع مميز بإيجابيتها على قلب بلال النيويوركي الصغير بالذات، لما لاقاه من معاناة منذ صغره، ابتداء من فقده لوالده ومن ثم مرضه إلى تنمر الطلاب عليه، كل ذلك أقعده عن ممارسة حياته، إلى أن شحذت قصة بلال همّته من جديد، وأخذت تنهض به نحو التفاؤل والقوة، فمنذ عايشه لحظة بلحظة عاد للكتابة، إحدى هواياته المفضلة، واستطاع أن يدون كل ما كان يجول في خاطره، حتى أنه تحدث مع بلال الحبشي وأرسل له رسالة كانت قد كتبت في مدونته الخاصة، تعاظم حبه لبلال عندما اكتشف أن كل شيء في هذه الحياة له شيفرته الخاصة، فقرر أن يطلق على مدونته هذا الاسم "شيفرة بلال" ولكن بالنسبة له كانت شيفرة بلال الحبشي هي الحل لفك شيفرات مشاكله جميعا في لحظة واحدة.

سعيد كان سببا في بحث بلال النيويوركي الصغير عن بلال الحبشي، وبلال الحبشي كان سببا في لقاء أمجد ببلال الصغير الذي بدوره كان سببا في لقاء لاتيشا بأمجد، ليلتقيا نهاية على دين واحد وهو الإسلام. توفي بلال الصغير تاركا وراءه علما نافعا، كما هو الحال مع قدوته بلال رضي الله عنه.

القصة عميقة في مفهومها، حيث تصل بك إلى ذروة الإيمانيات، فتسافر بك إلى ما يزيد على 1400 عام في عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، لتعايش بعضا من الأحداث التاريخية والإسلامية في قصة بلال رضي الله عنه، مثبتة يقينك بأن الإيمان والعيش في سبيل الدفاع عن دينك هو أسمى الأعمال قاطبة، فتعلمك أن تقف في وجه كل ظالم بقوة، وأن تحارب من أجل هدفك، وتذكرك بأن طريق الحق وإن قل سالكوه هو طريق النجاة بلا أدنى ريبة، وترشدك لأن تمد يدك لطالب الحقيقة، وألا تلقي بالأحكام جزافا على من لم تعرف حتى تعرفه عن كثب، فلربما كان صالحا أو أن بينه وبين الحق والصلاح خيطا رفيعا، وأخيرا هي إثبات قطعي أن لكل شيء ثمنا لا بد أن يسدد، فكلما عز المطلوب ارتفع ثمنه.

أحمد خيري العمري الذي أعتبره أحد كتابي المفضلين من كتاب العصر الحديث، استطاع أن يفك رموز ذلك البلال العظيم ويسترده لقلبي حيّا مرة أخرى، كما فعل في كتابه "استرداد عمر" رضي الله عنه، هذا الكاتب الذي ألمح في كتاباته وحواراته صدق اللهجة والمقصد، وأحسبه صادقا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، حيث ذكر في أحد حواراته أنه كبشر يخالجه أحيانا بعض من شعور العظمة، وشبهه بالطاووس، فاستطاع طمس طاووسه المنتفش بمعونة من الله ليحيله لمجرد عصفور، وها هو أيضا يحطم صخرته ليصدق نفسه وربه ويؤثر العقلانية والأخلاق على ذاته، فكان عمر قدوته في كبح النفس وشهواتها، وكان بلال رمزه للصدح بما يرضي الله في سطوره وكلماته، اللهم أعنّا على تحطيم صخراتنا.

أسأل الله أن يجمعك بوالدك القاضي رحمه الله، وبالنبي ﷺ وصحبه في مستقر رحمته.

وكما قال بلال رضي الله عنه في لحظات حياته الأخيرة "غدا نلقى الأحبة محمدا ﷺ وحزبه".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة