شعار قسم مدونات

فلسطين.. بين الحنين والأنين

فلسطينيو 48 والهبة الشعبية.. مكاسب وطنية وتحديات قبالة المؤسسة الإسرائيلية - حضور بارز للنشء والجيل الشاب بالداخل الفلسطيني في الاحتجاجات والمسيرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.
فلسطينيو 48 والهبة الشعبية.. مكاسب وطنية وتحديات قبالة المؤسسة الإسرائيلية - حضور بارز للنشء والجيل الشاب بالداخل الفلسطيني في الاحتجاجات والمسيرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.

 

لا أعلم ماذا سوف أكتب، ولا من أين سأبدأ، وكأن الأقلام قد جف مدادها والكلمات أراها قد تبعثرت هنا وهناك؛ كيف لا؟! وأنا أتحدث عن تلك البقعة المباركة الطيبة؛ مسرى خير البرية ومهد الثقافات والحضارات وأرض النبوات والرسالات وقلب الشرق ومعبر الغرب، فيها تنزلت البركات، ومنها عُرج بالرحمة المهداة بإذن رب الأرض والسماوات، نعم، إنها فلسطين الحبيبة، عبق الزمان، وأصالة المكان، وحنين الماضي وأنين الحاضر وأمل المستقبل.

70 عاما وأكثر قد مضت برمتها وانقضت، وما زال كَلْم فلسطين يَثعَب دما دون أي توقف؛ ذلك الكَلْم الذي بكى وأبكى كل من حوله؛ حزنا على فراق الأمير أو من كان يدعى صلاحا، وإلى الأقصى يسير؛ ذلك الكَلْم الذي لا يمكن أن يلتئم إلا بالنفير، ذلك الكَلْم الذي يُسطر التاريخ أحداث أبطاله على صفحاتٍ مدادها الذهب واللؤلؤ، يوما بيوم وساعة بساعة ولحظة بلحظة.

نعم، 70 عاما وأكثر بما فيها قد مضت وارتحلت، ولا يزال الشعب الفلسطيني يعاني الأمرَّين؛ مرارة التهجير والشتات تارة، ومرارة تلك القوانين الظالمة الجائرة تارة أخرى، حيث إنه لا يخفى على أحد أبدا أن هذا الشعب قد دفع ثمنا باهظا في مواجهة الكثير والكثير من الصعوبات والتحديات، بيد أن من أكثر تلك الأثمان صعوبة وتعقيدا -والذي بدوره كما يقال "زاد الطين بلة"- هو وجوده منذ أمد بعيد داخل بيئات لم تعد تعترف له بأدنى مقومات الحياة، بل حتى لم تعد تبالي بوجوده البتة، وذلك بغض النظر عن القدرات والمهارات التي يمتلكها أولئك الفلسطينيون في المجالات كافة، إنه الظلم بعينه، واللاإنسانية بأبشع صورها.

عذرا فلسطين الحبيبة، إن ما يحدث في تلك الاجتماعات الرنانة ومن وراء أستارها الباهتة؛ ما هو إلا بمثابة شعارات براقة لا تسمن ولا تغني من فاقة، وإلا فإن الحقيقة أدهى وأمر، وفلسطين الأمس لم تعد هي ذاتها فلسطين اليوم، إلا على بعض وريقات بالية أو في وسط مظاهرات زائفة. فإلى أي مستوى من اللامبالاة وصلنا؟! وا أسفاه على زمن باتت فيه فلسطين في عالم الخيال والنسيان، ولم يعد لها في الواقع أي عنوان.

إن من العجب العجاب أن تكون قضية فلسطين كغيرها من القضايا، أو أن يُخصّص لها يوما واحدا في السنة ليس إلا. أي زمان هذا الذي نحنُ فيه؟! كفى استخفافا بأحلام العباد، أليس من العدل والإنصاف -بل حتى من الحق والواجب- أن يكون كل يوم هو يوم عالمي للتضامن مع فلسطين وأهلها؟ وليس لمجرد يوم واحد كما زعم أولئك الظالمون الذين ما عرفوا فضل فلسطين؛ لا اليوم ولا الأمس ولا حتى في أي وقت وحين.

 

"تجوع يا سمك البحر.. سنلقي الصهاينة في البحر"؛ عبارة راودتني وأنا أكتب كلماتي هذه، توقفت بعدها هُنيهة، ثم تساءلت في نفسي "أين هي اليوم؟!" هل انطفأت وانطفأ معها صداها الذي كان في يوم ما قد ملأ الكون برمته؟ هل يعقل لتلك العبارات أن تندثر وتتلاشى وألا يبقى لوجودها الآن أي أثر البتة؟ سوى على تلك الشاشات أو بين بعض الصفحات.

لكن، وبالرغم من كل هذه الأزمات والأحزان والابتلاءات والحرمان وكثرة تلك القطعان من أولئك السفهاء البلهان والمذبذبين الأوهان؛ فإن كل محاولة تهدف إلى إضعاف هذا الشعب ستتصدع بلا شك على صخرة الصمود التي لم تعرف يوما للضعف عنوانا ولا لليأس مكانا، فيا أيها الفلسطيني أينما كنت لا تهن أبدا ولا تحزن ما دمت بالله واثقا وعليه متوكلا، فإن خُطاك لن تتوه أبدا، ولكن، لا بد من سُنَن يميز بها الخبيث من الطيب والباطل من الحق، وإن الليل مهما أرخى سدوله واشتد سواده فإن نور الصبح -بإذن الله- لآت، وسيجعل الله بعد عسر يسرا، وهذا وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا؟!

 

ختاما أقول، ليس لكلماتي هذه نهاية، بل لها تتمة بعد تتمة، وسيظل حب فلسطين فينا ينبض أبدا ما حيينا؛ ذلك الحب الذي لا يمكن أن تنتهي حكايته جيلا بعد جيل. نعم، ستبقى فلسطين فينا ما تعاقب الليل والنهار "قضية اليوم وكل يوم"، وإن ما بين كل ذلك الحنين الذي مضى والأنين الذي بقى؛ هناك أمل ما يزال يرتجى وعسى أن يكون قريبا.