لا عرس إلا بالتحرير التام من النهر إلى البحر، هذا ما أعتقده شخصيا، وأوقن بوقوعه يوما ما في البعيد الآتي، وإن كنت أراه قريبا، وحينها نفرح الفرح العظيم بحق، وتتكلل القدس والقبة الغراء وسوح الأقصى بإكليل الزيتون الذي يضيء زيته، فنضيء جميعا به، ولو لم تمسسه نار، فحينها تتقد بأيدينا نار شريعة لنا كما تنبأت كتب الأنبياء قديما بفتح مكة.
وغزة في يومها هذا سيدة العرس الفلسطيني العربي المسلم، متوشحة بثوب مطرز، ولا يهم بالأحمر القيسي أو بالأبيض اليمني وفقا للتقاليد القديمة، لكنها تكللت بالغار والزيتون، ودفعت بنيها للمنون، وغدا يتحررون.
الحرب دبلوماسية بطريقة أخرى قالها كليمنصو، وقبيل بدر أدرك حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة حقيقة مهمة؛ إنهم معتدون قدموا لأرض الأنصار لقتالهم، وبما أنهم أحرزوا القافلة، فعلام القتال؟ لكن أبا جهل فرعون الأمة ونتنياهو تلك اللحظة قرر القتال غرورا، وتحقيقا لسيادة بني مخزوم على قريش كلها وبصورة نهائية؛ فانتهى في القليب.
وحديث فلسطين وإن أشجى، فإن التعقل والتدبر مطلوبان مندوبان؛ فمنطق التضحية منطق فردي، ومنطق القيادة والتدبير منطق الجماعة، فالتضحية خيار المرء، يقدم عليه، لكن القائد مسؤول عمن معه، ولذا فقد عزل عمر رضي الله عنه خالدا لمغامراته، وقدراته التي قد لا يحتملها كل الناس، وأرجأ غزو البحر لهذا السبب أيضا.
لذا فقرار الحرب والسلم، وامتلاك زمام المبادرة في البدء والختام، هو من أهم معايير النجاح، وهذا ما جرى في هذه المرة؛ فقد قرر العدو خوض معركة بمدى معين، فبوغت بعوامل لم يحسب لها حسابا، وبفائض القوة قتل فتى اللد أبو حسونة، فانتهى إلى خروجه المؤقت من اللد، فألًا بخروج دائم.
ودخلت غزة دخولا مختلفا ظافرا، ومدهشا، فانطلقت ولم تتوقف، إلا حين قررت ذلك، وهنا نتذكر جيدا مؤتة؛ فمؤتة كانت جولة أولى، استشهد فيها 3 قادة أبطال، وقرر الرابع تسليم الراية لخالد بن الوليد رضي الله عنه، فخطط ودبر، وقرر الانسحاب التكتيكي، فجاءته البشارة النبوية انتصارا لمنطق القيادة والتدبير والتخطيط: "هم الكرارون إن شاء الله"، وبقيت البشارة معلقة حتى عبر خالد الصحراء بين العراق والشام، ونزل باليرموك، فكانت الكرة غير تلك المرة.
تبقى معركة الموازنة بين الخفي والعلني والمبدئي الثابت والمرحلي المتحول قضية كبيرة للغاية، وعسرة؛ فالحرية والكرامة والصدور العارية واحدة على امتداد الهلال الخصيب من ديالى وسامراء وبغداد وانتهاء بدمشق وحلب وحمص وصولا للقدس وغزة واللد والرملة. فالأزمة واحدة، تقديس المؤسسة والتاريخ على حساب الإنسان وقيمته وحريته وحقوقه الأصلية، وكل فكرة من هذا النوع، فإن علتها جوهرية، عسرة الإصلاح، وثمن الحرية غال، وجبهاتها متنوعة، وينبغي مراعاة الفروق بين الجبهات والمواقع المختلفة، إلا أن الانحياز الأخلاقي والقيمي والمبدئي أمر لا اختلاف عليه؛ فهو فطرة الإنسان، وغايته الوجودية العظمى التي لا ينبغي التهاون فيها. إلا أن أحاديث السياسة تختلف للأسف عن أحاديث الصدور العارية، وهو ما ينبغي استيعابه واحتماله، واحتمال ردات الفعل كذلك؛ فالوجع طازج نرجو زواله.
سلاما على القدس حيث صلى الحبيب صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعا وعرج إلى السماوات العلى، سلاما على الخليل حيث نزل وذريته عليهم السلام من قبل، سلاما على غزة حيث دفن هاشم جد الحبيب صلى الله عليه وسلم، وولد الشافعي عليه الرضوان، سلاما على اللد والرملة والناصرة وبيت لحم ويافا وحيفا حيث سيأتي يوم العودة إليها جميعا، ويغسلها بزيت زيتون مقدسي من عار سنين نرجو أن يكون عددها قليلا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

