فلسطين.. والوجه القبيح لمنصات التواصل الاجتماعي

فيسبوك (الجزيرة)
فيسبوك (الجزيرة)

 

أسهم الربيع العربي بكشف وجه آخر للإعلام الجديد لم نكن نعرفه عشية انطلاق الثورات العربية، بعد أن استثمرت منصات التواصل الاجتماعي الكثير بتسهيل مهمة الناشطين والثوار العرب بالتعريف بقضيتهم وثورتهم وإطلاق تسميات الجُمع لصالح الثورات العربية السلمية على صدر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لحشد الشعوب في الميادين والساحات، وهو ما أدى إلى تزايد شعبيتها بشكل لم يسبق له مثيل في عالم الميديا وعالم التواصل، حتى غدت مملكة الفيس بوك لوحدها تعادل حجم سكان الصين والهند.

 

كانت بداية تعرّي وانكشاف مواقع الإعلام الجديد، يوم بدأت منصة الفيس بوك بتقييد حسابات الثورة السورية وناشطيها، وحذف حسابات متابعين مؤيدين لها بمئات الآلاف من المتابعين والمعجبين، مثل حسابي الشخصي الذي كان موثقا بالعلامة الزرقاء ولديه متابعون بمئات الآلاف، ليصل الأمر بأن يتحوّل الفيس بوك لأداة بأيدي الاستبداد العربي، فبما يخص الشأن السوري كان الحذف أو تقييد الحساب وحتى قفله بالكامل مصير من يذكر كلمة الجيش الحر أو الثوار أو أي شيء يشير إلى معارضة العصابة الأسدية، فضلا عن أن تنشر صورا تخص زعماء الثورة السورية من الفصائل العسكرية غير المصنفة إرهابيا على المستوى الدولي، فيكون التقييد مصير حسابك.

وقد ترافق مع هذا تقييد حسابات ثورية على التويتر وحذف حسابات أيضا، وقيام اليوتيوب مبكرا بجريمة حذف كل الفيديوهات المتعلقة بالثورة السورية وجرائم النظام والروس في القصف والتدمير والإبادة الجماعية، على أمل محو ومسح جرائم قد تُستخدم لاحقا في المحاكم الدولية، لكن الأسوأ من ذلك كله -والذي لم يتخيله إعلامي- هو أن تقوم شركة اليوتيوب في الآونة الأخيرة -وبكل وقاحة وبجاحة- بمنع المتابعين من الوصول إلى البث الحي لقناة الجزيرة الفضائية بحجة غدت معروفة وهي أن المحتوى لم يعد مناسبا، دون أن نعرف وجه اعتراض  جلالة اليوتيوب على المحتوى، فضلا عن أن يحكم عمّال أغرار في المنصة على عمل صحافيين مهنيين بمستوى قناة الجزيرة، وبمستوى غيرها من المؤسسات الإعلامية أو الصحافيين الذين يتم ابتزازهم.

 

صفحات الفيس بوك خدعت مؤخرا مئات الآلاف من متابعيها بوضع إعجابات نيابة عنهم على صفحة تروج للاحتلال الإسرائيلي، دون علم ومعرفة صاحب الصفحة ذاتها؛ مما عكس الانحياز الوقح والفاضح والسافر لهذه المواقع للسردية الصهيونية، ناهيك عن العبث واللعب بلوغارتيمات الفيس والتويتر؛ فمَن حسابه لا يتجاوز المئات من المتابعين يكون على تغريداته عشرات بل ومئات إعادة التغريدات والإعجابات، بينما مَن حسابه يتابعه مئات الآلاف لا يحظى سوى بعشرات وربما أقل من هذا بكثير من إعادة التغريد لتغريداته.

المفارقة أن تغدو مؤسسات إعلامية كبرى عالة وفقيرة إلى وسائط تواصل اجتماعي لا يتعدى تاريخها السنوات القليلة، بينما عمر هذه المؤسسات الإعلامية عشرات وربما مئات أضعاف تاريخ المنصات الجديدة، والأنكى من ذلك كله أن من يدير هذه الوسائط لا علاقة له بالصحافة والإعلام والقيم الصحافية، ومع هذا يقررون محتوى كتّاب كبار، ومؤسسات إعلامية عريقة بحجم الجزيرة وغيرها. وحين سعى الفيس بوك لمواجهة الهجمة المبررة التي تعرض لها بسبب سياساته المنحازة لصالح الاستبداد والاحتلال بتأسيس من وصفها بلجنة الحكماء للحكم على المحتوى؛ لم نسمع لهذه اللجنة أي نشاط أو تحرك، بل وأمعن وأوغل بعد هذا التأسيس الذي لم يكن سوى لتهدئة العاصفة ضده في سياسته السابقة بالتقييد والحدف والإقفال وغير ذلك.

 

الآن كيف يستطيع الإنسان الحر أن يتعامل مع هذه المواقع بنزاهة إن كان انحيازها للصهاينة فجا ووقحا بهذا الشكل؟ وكيف لنا أن نتعامل مع هذه المؤسسات إن كان بعضها مقره دبي معقل الثورات العربية المضادة؟ وكيف نتعامل مع منصة التويتر بعد أن كشفت صحف عالمية عريقة عن شراء بعض الموظفين لصالح دول مضادة للثورات العربية بحيث يلعبون بصعود تريند وإخفات أصوات أخرى؟ باختصار فضحت فلسطين -ومن قبلها الربيع العربي- مَن تطفّل في عمله على مهنة صاحبة الجلالة التي لم تعد اليوم -مع الأسف- صاحبة للجلالة بعد أن تطاول عليها غلمان منحازون.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة