الخلافة الإسلامية.. بين مؤيد ومعارض!

Omran Abdullah - رسم لقصر توب كابي الذي استخدم كمقر للحكم في عهد العثمانيين، ويكي كومون - للنشر "من يريد الخلافة؟".. نماذج تاريخية غير مثالية لاستمرار الفكرة القديمة (الجزيرة)
Omran Abdullah - رسم لقصر توب كابي الذي استخدم كمقر للحكم في عهد العثمانيين، ويكي كومون - للنشر "من يريد الخلافة؟".. نماذج تاريخية غير مثالية لاستمرار الفكرة القديمة (الجزيرة)

 

منذ انهيار الحكم العثماني ودولة الخلافة في العالم العربي في بدايات القرن شغل سؤال الدولة والخلافة الأوساط الفكرية، ما بين مؤيد للدولة الإسلامية ومعارض وملفق ومجدد، فبعضهم تمسك بالصورة النمطية للدولة الإسلامية بشكلها التاريخي، وبعضهم كان معارضا لأي شكل من أشكال التدخل الشرعي في هيكل الدولة، وآخرون حاولوا الجمع بين التيارين والتجديد في نموذج الخلافة.

وكان من أوائل من طرح قضية الخلافة للنظر هو الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم، وأحدث هذا الكتاب جلبة فكرية استفزت كثيرا من الأقلام للكتابة في السياسية الشرعية إما ردًّا أو تأييدا، فظهر منذ ذلك الحين نمط من النظر الشرعي السياسي لم يكن معهودا في التاريخ الفكري للمنطقة، وتطور وتوسعت دائرة المشتغلين فيه حتى شملت من هم خارج المنظومة الإسلامية ونطاقها الجغرافي. وفي سبيل فهم إشكالية هذا النوع من الكتابة السياسية الشرعية سنحاول في هذه الورقة دراسة المرحلة الجنينية لها مسلّطين الضوء على كتاب الإسلام وأصول الحكم وكتاب معاصر ردّ عليه هو كتاب حقيقة الإسلام وأصول الحكم للشيخ محمد بخيت المطيعي، للكشف عن إشكاليات التعاطي مع سؤال الدولة الإسلامية تاريخيا.

أطروحة كتاب الإسلام وأصول الحكم

انطلق علي عبد الرازق من مناقشة مصدر سلطة الخليفة في الحكم الإسلامي، إذ رأى أن الخلافة بوصفها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا تقوم على فكرة أن الخليفة يقوم مقام النبي الذي يتلقى سلطته من الله، ومن ثم فالخليفة يحكم بالحق الإلهي كما هو الحال مع ملوك أوروبا في القرون الوسطى، ويترتب عليه أن المسلمين واجب عليهم طاعة الخليفة باطنا وظاهرا طاعة مطلقة لأن سلطانه من سلطان الله، وأن هذه العقيدة هي نتيجة ظرف سياسي واجتماعي واقتصادي، بل فكرة الخلافة تتعارض مع الإسلام لأنه دين شأنه علاقة الإنسان بربه فقط، أما شؤونه السياسية فهي عائدة إليه، وكل ما ورد من نصوص تؤكد إقامة خليفة أو إمام أو ولي أمر أوّل خطأ، أما الإجماع على معناها وتفسيرها فلا سند له، يسنده غياب نظام قضائي ومعالم بناء سياسي ومظاهر سلطوية عن المشهد النبوي، بل ما الجهاد في عصره إلا محاولته توسيع ملكه وتثبيت سلطانه لا الدعوة إلى دينه ونشر رسالته وإعلاء كلمة الله كما هي رواية السردية المحافظة.

كان منهج علي عبد الرزاق يعتمد على الاحتجاج بعدم ورود نصوص تسند فكرة الدولة الإسلامية وتصرفات النبي السياسية، ومن ثم أنكر وجود الإجماع لا من حيث هو مصدر ثالث من مصادر التشريع بل من حيث وجود سند نصي له. كذلك ادّعى عدم وجود علوم سياسية إسلامية أو نظر قضائي شرعي، أو غاية شرعية للجهاد نتيجة استقرائه الشخصي للتراث، وقدم تفسيراته الخاصة لبعض النصوص التي تنبئ بضرورة قيام حكم إسلامي أو على غاية الجهاد أو سلطة النبي والخلفاء.

نقد المطيعي

ورأى المطيعي أن أول ما تنبغي معالجته في أطروحة علي عبد الرازق هو مفهومه للخلافة وتعريفه لها، فقال إن المعنى الاصطلاحي للخلافة في ما يتعلق بـ:

نيابة الخليفة عن الرسول أنه يقوم مقامه في حفظ بيضة الإسلام وتنفيذ الأحكام وسياسة الأمة على مقتضى شريعة النبي،

أي إن الخليفة والمسلمين يحتكمان للنص الإلهي المتلو المتمثل بالقرآن أو غير المتلو المتمثل بالسنة النبوية. وحقوق الخليفة هي طاعته في غير معصية أي في ما يتوافق مع الشريعة فقط، إذن الكل ينقاد للشريعة بحسب موقعه، الخليفة من حيث هو مسؤول عن تسيير شؤون الجماعة، والجماعة من حيث توكيلها الخليفة على شؤونها، أما سلطة الخليفة فهي مستمدة من الأمة التي يمثلها أهل الحل والعقد، ومن ثم فالأمة هي مصدر السلطة لا الله في الحكم الاسلامي.

يقول المطيعي إن الخلافة عقد بين القائم بها وأهل الحل والعقد على أن يطبق ما جاءت به الشريعة، فإن لم يتم هذا الأمر على هذا الوجه يتحمل الذنب طرفان؛ أهل الحل والعقد ومن هو أهل للإمامة ولم ينتصب لها ويقبل البيعة على شرطها. أما من يستولي على الإمامة بالغلبة والقهر فيكون خارجا عن التشريع الإسلامي وتحاسب الأمة على تخاذلها في دفاعها عن العدل، وهذا مشاهد عبر التاريخ فلم يدّع المسلمون أن الخلافة وحدها كفيلة بمنع الاستبداد بل هي عملية تشاركية من أطراف عدة مسؤولة عن إحقاق العدل وتنفيذ الأحكام الشرعية بين الناس.

ومن ثم يتضح أن لقب خليفة رسول الله هو لقب وصفي لكل من يلي أمر المسلمين وفق الشريعة، لا يراد منه أنه يقوم مقام النبي وأن لصاحبها حقًّا إلهيًّا بالحكم. أما المعنى اللقبي لخليفة رسول الله فتفرد فيه أبو بكر الصديق فقط لأن الأمة رأت أن الرسول لم يستخلف إلا أبا بكر، ففهم أهل الحل والعقد أن تولية الرسول أبا بكر في الصلاة تدل على أنه يأتمنه على ما هو أعظم من شأن الدنيا وهو الدين، فيكون هو الوحيد الذي زكاه النبي فحقّ أن يقال له خليفة رسول الله، أما عمر ابن الخطاب فسمي بأمير المؤمنين وكل من جاء بعده هم خلفاء الأمة.

وفي ما يخص النظر السياسي فيرى المطيعي أن اعتراض عبد الرازق على تخلف الفكر السياسي الإسلامي، إن كان المقصود فيه النظر الميكافيلي الصبغة فهو يتعارض مع رؤية الإسلام الأخلاقية للسياسة، فلا يمكن للعلماء المسلمين أن يتعاطوا معه لحرمته، فالملك الطبيعي أي غير المستند إلى شريعة إلهية بل على العقل دون وحي، إن لم يكن ظالما فهو يحتمل الظلم، وذلك لأن مرجعيته الفكرية والتشريعية هي الإنسان، وحسب المطيعي هذه المرجعية غير موثوق بها وغير ثابتة لا يمكن لها أن تقنن بذاتها الظلم أو تمنعه لأنها تخضع للأهواء وتقلبات الإنسان وتأثير الزمان والمكان ومن ثم فهي ليست مطلقة، والإسلام يحرم الظلم ومظانه. أما التنظير السياسي الشرعي فيرى المطيعي أن عبد الرازق لم يسبر كتب التراث الإسلامي ولذا فإن كلامه مردود بتخلف التنظير السياسي الشرعي لأن المطيعي استدل بكثير من المؤلفات الخاصة بالسياسة الشرعية وبمباحث الإمامة التي تلازم المؤلفات العقدية، والتي عالج فيها علماء المسلمين شؤونهم السياسية.

وأما في ما يخص دعوى عبد الرازق أن نظام القضاء في العصر النبوي كان هامشيا أو منعدما، فيرد المطيعي بأن القضاء كان ابن عصره فإن كان قصد عبد الرازق الإجراءات القضائية فهذه كانت موجودة في أصلها، من حيث جلوس الحاكم والمحكوم له وعليه والمحكوم به وهو الوحي سواء المتلو أي القرآن أو غير المتلو وهو السنة النبوية وطرائق الحكم وهي البينة واليمين والنكول.

 

كذلك فإن وصايا النبي والخلفاء السلوكية للقضاة من حيث تحرّي سماع الطرفين وعدم القضاء في حال الغضب والجوع وحال مدافعة الأخبثين.. إلخ، كي لا يتشوش الفكر ويخل بعدالة الحكم، وتحديد من تقبل شهادتهم ومن ترد، وكثير من التوصيات التي تتعلق بطريقة التحاكم وأصوله وضوابطه، تدل دلالة واضحة على اعتناء الإسلام بإجراءات التقاضي، أما القانون الذي يحكم به فهو الوحي لفظا ومعنى وهو القرآن ومعنى وهو السنة، فهو قانون سياسي شرعي ينقاد المسلم لأحكامه التي تشمل النصي والاجتهادي المتجدد، الدالّ إما بعبارته أو إشارته أو دلائله أو اقتضائه، وإما بعموم اللفظ أو عموم العلة، فإذن هو قواعد عامة يستنبط منها الحكم على الجزئيات من الحوادث بأكملها.

ومن ثم فإنكاره وجود نظام قضائي أدى به إلى إنكار وجود دولة إسلامية واعتباره النبي ملكا بالمعنى الطبيعي أي الذي يكون لأجل السلطة بذاتها والغلبة والقهر وفرض الهيمنة. والمطيعي يرى أن للنبي ملكا سياسيا يدخل ضمن رسالته الإلهية لا يكون مراده الغلبة للنبي بل لحق الله وشريعته.

والمطيعي يؤكد منصب النبي السياسي بالمعنى الشرعي لا بالمعنى الطبيعي، فإقامة دولة وبناء سياسي جزء من رسالته ونبوته، فيذكر أنه كانت هناك مظاهر سلطة للنبي مثل الخادم والحاجب والكرسي والسرير والكاتب وصاحب الخاتم وكاتب العهود والمترجم وصاحب الهدي، وأنه استوزر من الصحابة وأمّر منهم أمراء جيش وولاة وقضاة، وعمالا فقهاء يرى أنهم يحاكون المؤسسات الحديثة مثل مجموعات تعليمية تشبه المدرسة كانت بأمر شرعي للأسرى ومن يحسن القراءة والكتابة لتعليم الناس، وشعراء وخطباء يمثلون وجها من وجوه السياسة الإعلامية، وناظر البناء كمؤسسة إسكانية، والجواسيس وحراس المدينة كصورة من صور العمل الاستخباراتي..إلخ. أما الأعمال الجبائية فهي تتمظهر بوظيفة صاحب الجزية وصاحب العشور والخراج وصاحب المساحة والعامل على الزكاة، كذلك كان هناك عمل اجتماعي خيري مثل المارستان ودار الفقراء.

وذكر المطيعي عددا من الوظائف ليثبت أن مؤسسات الدولة الحديثة من حيث نوعها موجودة في البناء الإسلامي الأولي، ولكن مفهوم الدولة تطور فيجب ألا يقاس شكل الدولة النبوية أو الراشدية بالدولة الحديثة، ولا ينبغي عدّ النموذج الإسلامي يتعارض معها إلا من حيث المرجعية والغاية، لذلك رأى أن عنف الدولة الإسلامية المتمثل بالجهاد هو عنف مسوّغ ومشروع كون مرجعيته الله وغايته الله، أما عنف الدولة الحديثة فهو عنف من الإنسان وغايته الغلبة.

واتبع المطيعي منهج الرد بالنص، وذلك بسرده النصوص القرآنية والنبوية التي تعارض دعاوى عبد الرازق، كما عارض فهم عبد الرازق بفهم لنصوص أجمعت عليها الأمة، وحاول باستحضار المهن والحرف والوظائف التي كانت في عصر النبوة أن يجادل بأن الدولة الإسلامية يمكن أن تبنى وفق نموذج الدولة الحديثة، وذلك أن المؤسسات من حيث نوعها موجودة بالبناء النبوي والراشدي للدولة لا من حيث أفرادها المعاصرة.

ومن خلال هذين النموذجين التاريخيين للكتابة في سؤال الدولة في الإسلام يمكن أن نحدد شكلين من أشكال التنظير السياسي الشرعي، الأول يرفض الدولة الإسلامية من داخل المنظومة الإسلامية وهذا غالبا ما يصطدم بالنص كونها منظومة نصية طوّرت عبر التاريخ وسائلها الدفاعية عن النص حتى بات اختراقها يعرض الناقد للاستبعاد من المنظومة كاملة، وهذا ما واجهه علي عبد الرازق حين تعرض للإجماع وهو مصدر ثالث من مصادر التشريع ووسيلة من وسائل الدفاع عن النص، وكونه يقرّ بسلطة النص القرآني والنبوي، كان إيراد النصوص عليه من قبل المدافعين كفيلا بإسقاط أطروحته وجعله يتراجع عنها، وإلا سيضطر إلى الاختيار بين أن يبقى وفق دائرة الإسلام أو إنكار ما يسمى المعلوم من الدين بالضرورة، أي ما لا يسع المسلم جهله أو رفضه، والنصوص التي احتجّ بها المطيعي عليه تعارض أطروحته بالكامل.

 

أما الثاني فهو المدافع عن الدولة الإسلامية من داخل المنظومة الإسلامية، وهذا على الرغم من امتلاكه سلطة تفسير النص فإنه في دفاعه عن حق الدولة الإسلامية إما أن يحاول إخضاع النص لروح العصر الحديث فيحمل دلالتها ما لا تحتمل أو أن يحاول تطويع مفاهيم الدولة الحديثة والسياسة المدنية واختزالها لتتلاءم مع نصوصه، كاعتبار الديمقراطية شكلا من أشكال الشورى كما فعل المطيعي، وشتان ما بين المفهومين فالشورى تكون بين النخبة والديمقراطية قرار شعبي، ومن ثم فإن توضيح المفاهيم وحده كفيل بجعل دفاعه يعدّ محاولة تلفيق ضعيفة لا تتسق مع أطروحة الإسلام أو أطروحة الدولة الحديثة والسياسة المعاصرة، وكأي تنظير دفاعي هو يرمي إلى التفكيك والهدم والمعارضة لا البناء والإبداع، لذلك بقي النموذج الوحيد للدولة الإسلامية النموذج التاريخي الذي هو نتيجة فهم أولي للنص وتطبيقات من ذاكرة الشعوب التي دخلت الإسلام.

 

 

المراجع

  • عبدالرازق، علي. الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام. القاهرة: مطبعة مصر شركة مساهمة مصرية، 1925.
  • المطيعي، محمد بخيت. حقيقة الإسلام وأصول الحكم. القاهرة: مكتبة النصر الحديثة، بلا تاريخ.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة