نبش الذاكرة.. رمضان والدراما التاريخية!

 

الدراما التاريخية رافقت رمضان والمناسبات الدينية، علما أنها -للمفارقة- خالفت روحه في تفاصيل كثيرة. على أية حال، لا يمكن أن ينسى خيالي -وأنا مهووس بالتاريخ وحكاياه- وجوها رمضانية مختلفة، تنوعت وتعددت والنفس الرمضاني واحد.

من ينسى شكري سرحان في ثياب الوليد بن المغيرة ومحمد الدفراوي في دور أبي جهل؟ من يمكنه تجاهل نوال أبو الفتوح في دور هند بنت عتبة رضي الله عنها في مسلسل الأنصار؟ من يمكن أن يتجاوز مسلسل الوعد الحق، ومحمود الحديني في دور زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله وأعلى درجته، وجمال إسماعيل وهو في دور ورقة بن نوفل رضي الله عنه وهو يرتقب، ويتلو من الكتب القديمة بلغة فصيحة بليغة؟ على أية حال عشنا حتى رأينا رفيق سبيعي يجيد خطوات ورقة الوئيدة في طرق مكة في مسلسل عمر مع الراحل الباقي حاتم علي والمتألق وليد سيف. وفي كل تلك المسلسلات رأينا الصحابة؛ فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه جسده أحمد عبد العزيز في الوعد الحق بحيوية وقوة، بينما كان الوقار والتمهل رفيق محمد عبد الجواد في دور مصعب بن عمير رضي الله عنه في المسلسل ذاته، ورأينا "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم" والذي كتبه طه شلبي، ليحكي حكاية الدنيا في جهالتها، وتوفيق عبد الحميد في دور الموبذ المجوسي، ووالد سلمان الفارسي رضي الله عنه يبحث عنه، بينما كان صهيب الرومي يعيش بين الروم، ليأتي إلى مكة، والكل تنتهي رحلتهم بالإيمان الجامع لبني الإنسان.

 

مع "عصر الفرسان" -الذي تحدث عن حكاية قطز رحمه الله وانتصاره- حدثت الانعطافة الهامة، فمع خضم الشباب عايشنا ثلاثية الأندلس "صقر قريش" و"ربيع قرطبة" و"ملوك الطوائف"، ولا نزال ننتظر الرابعة التي لم تأت، وانتهى الأمر بوفاة المخرج المتألق حاتم علي، وهناك وقف الكل شاخصا فرأينا التغريبة الفلسطينية، ترافق ذلك مع الظاهر بيبرس، ثم القعقاع وسلوم حداد المتقن للدور بأناقة، والمخرج المثنى صبح المتميز، حيث اختتم المسلسل بمقولة الصديق على لسان علي رضي الله عنه تضميدا لجرح الواقع المائر.

 

وتألق تيم حسن متقلبا في الشخصيات المتذبذبة نفسيا بين أحكام السياسة وطموحات الكمال والفتوة؛ الوليد بن يزيد والمنصور وانتهاء بالمعتمد، ورأينا جمال سليمان قائدا مكافحا يقاسي التقلبات المختلفة في صقر قريش، وحاكما وئيد الخطى في ربيع قرطبة، وشاعرا وزيرا في ملوك الطوائف، وتابعنا المرابطين في صحرائهم يعيدون مع شيخهم ابن ياسين -الذي أجاده جدا البارع عبد الرحمن أبو القاسم- مثال الإسلام الأول على صورة جديدة في جزيرة بعيدة، لينقذوا الأندلس كلها.

 

على أية حال، تبقى التغريبة الفلسطينية مختلفة، فهي تاريخ حي وحكاية معاشة وإنعاش ذاكرة الأجداد، حيث رأينا مفتاح البيت وخبز الطابون وإنقاذ فلسطين السليبة من أسر المخيلة الرومانسية، للتبصر بحقائق الأمور، والتحرر من وهم المؤامرة لصالح حقائق التاريخ وتفاعلاتها.

 

أما مسلسل "عمر" فعلى زلة تجسيد الراشدين والمبشرين بالجنة رضي الله عنهم؛ فإن النص والأداء منح تلك الحقبة ديناميكية، وقدم أبعادا اجتماعية عديدة لها، جعلتها حكاية مختلفة بحق.

إن المدرستين -السورية والمصرية- تختلفان في كتابة التاريخ، فبينما يبدو التاريخ في المسلسل المصري قدسيا نزيها مكونا من صراع خير وشر، يتمايز الفريقان بوضوح لا يدع مجالا للشك، مع أداء لغوي بارع، وحناجر قوية، في حين يبدو المسلسل السوري أكثر تقبلا لعثرات التاريخ، وأقل تبريرا، وأميل للنظر له بواقعية الصراع الذي يكون فيه الخير وفي فريقه النوازع السالبة، وفي فريق الشر بعض من الخير، وتفاعلات الحوار أكثر حيوية ورشاقة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة