الرأي العام الغربي والقضية الفلسطينية.. تغير النسبي

إضراب فلسطين (الجزيرة)

 

في كل الحروب هناك حروب إعلامية، مرافقة لها. فمن يمتلك أدوات الإعلام يمكنه إعادة صياغة الأحداث ورفع معنويات جهته، وخفضها لدى العدو، وصنع تاريخ جديد يؤمن به النظام الدولي، ويكسب شرعية من خلاله. في مخيلة المجتمع الغربي كانت إسرائيل دائما ما تلعب دور الضحية، حسب قناعاتهم. كل المعارك التحريرية الفلسطينية، والحروب العربية كانت عبارة عن عدوان خارجي من قوى تمثل تهديدا وجوديا لما يسمى بدولة إسرائيل. تغير المشهد تدريجيا في السنوات الأخيرة، من حيث لا تحتسب، أكدت موجة التطبيع التي حدثت العام الماضي التغيير الحاصل. أصبح المحيط العربي لإسرائيل لا يمثل تهديدا أمنيا لها، بل أضحت بعض الحكومات العربية تتطلع إلى بناء مستقبل مشترك معها. وباتت الدولة الصهيونية تبدو كأنها القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة، وأصبحت معها خرافة "إسرائيل الضحية" تبدو أقل تصديقا في المجتمع الغربي.

 

أتت الأحداث الأخيرة في القدس وغزة وكافة فلسطين في سياق إعلامي مختلف في الغرب، نرى اليوم نوعا من التعاطف مع الفلسطينيين، وتنديدا بدولة الاحتلال في بعض وسائل الإعلام الغربية. وهو أمر لم يتوقعه كثيرون. على سبيل المثال صدر مقال رأي في صحيفة "واشنطن بوست" بعنوان "يسلط الشيخ جراح الضوء على الوقاحة العنيفة للمشروع الاستعماري الإسرائيلي"، ويخرج الشاب الفلسطيني القاطن في حي الشيخ جراح "محمد كرد" على قناة "سي إن إن" ليعبر عن موقفه حيال تهجير سكان حيه أمام صحفية حاولت أن تواجهه بوجهة النظر الإسرائيلية. في نفس القناة قالت الكاتبة الفلسطينية "مريم البرغوثي" وبكل وضوح:

إن الفلسطينيين لا يطالبون بالهدنة أو بالرجوع إلى ما كانوا عليه، بل يحتاجون إلى تغيير، وهذا التغيير يأتي عبر شجاعة الصحفيين والسياسيين والشعوب بالقول إن ما نعيشه هنا هو استعمار وتطهير عرقي.

 

في بريطانيا واجه صحفيو قناة "سكاي نيوز" كلا من سفيرة إسرائيل "تسيبي هوتوفلي"، ومارك ريغيف مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقابلتين مختلفتين يسائلونهما فيهما عن قصف إسرائيل لغزة وعن أعداد الضحايا هناك، والخلل في ميزان القوى بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية.

إعلان

طبعا لم يتغير الإعلام الغربي كثيرا، فلا تزال أغلبية القنوات في الغرب لا تسمي الأمور بمسمياتها، وترى أن لإسرائيل الحق فيما تسميه "الدفاع عن النفس". ولكننا نلاحظ مؤشرات هذه المرة، تبين تغيير نسبي في الرأي العام الغربي نحو قضية فلسطين لم نعهده من قبل.

 

يرجع هذا التغيير إلى الحملات المختلفة في وسائل الإعلام الاجتماعي المناصرة لقضية فلسطين، فلا تذكر إسرائيل في تويتر أو فيسبوك عبر هذه الحملات، إلا وترافقها مصطلحات الفصل العنصري Apartheid والاستعمار الاستيطاني Settler Colonization. تدريجيا وببطء أصبحت فكرة "إسرائيل دولة الاحتلال" تعوض نظرية "إسرائيل الضحية" في الذهن الغربي. نرى اليوم العديد من المشاهير في الغرب ينددون بالجرائم الإسرائيلية عبر المنصات الإعلامية المختلفة، منهم الممثل الأميركي "جون كوزاك" ومواطنه الممثل والمخرج "مارك روفالو" والممثلة الأميركية الإسرائيلية المولودة في القدس "ناتالي بورتمان" وحتى بطل سباقات الفورمولا 1 "لويس هاملتون".

تدرك إسرائيل قوة الإعلام البديل، فحسب وسائل إعلام عبرية طلب وزير الدفاع الإسرائيلي "بيني غانتس" من المسؤولين في فيسبوك و "تيك توك إن" الالتزام بإزالة المحتوى الذي يحرض على العنف، أو ينشر معلومات مضللة من مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بهم. يقصد بذلك المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية، والفاضح لجرائم جيش الاحتلال. وبالفعل اشتكى كثيرون من إزالة ما نشروه حول القضية الفلسطينية في فيسبوك وإنستغرام (التابع لفيسبوك) وتويتر، كان إزالة وسم #الأقصى من تويتر لوقت معين أحد الأمثلة على ذلك.

 

للرأي العام أهمية سياسية في الدول الديمقراطية بشكل الخاص، لأنه بإمكانه أن يترجم آراءه إلى سياسات على أرض الواقع. تدعم الولايات المتحدة إسرائيل بمساعدات مالية تقدر بـ 8 مليارات دولار سنويا منذ 1985 بالإضافة الى مساعدات استثنائية إضافية. تأتي هذه الأموال من الضرائب المفروضة على المواطنين الأميركيين، فإذا ازداد الوعي بين الشعوب الغربية حول قضية فلسطين، لتساءلت شعوب هذه الدول عن وجهة كل هاته الأموال، يتحول حينها التساؤل إلى نقاش في البرلمان ومن ثم سياسات خارجية. يبدو الأمر هذا مستحيلا حاليا في الولايات المتحدة، خاصة وأن مسألة دعم إسرائيل من نقاط الاتفاق القليلة التي تُوحِّد الحزبين الديمقراطي والجمهوري. يعود ذلك لقوة اللوبي الداعم لإسرائيل "أيباك". ولكن الأمر ليس مستحيلا بالمطلق، فوعي الشعوب يظهر تأثيره في الانتخابات. وأول الوعي المظاهرات التي عمت المدن الأوروبية وأميركا الشمالية، وإضراب عمال ميناء "ليفورنو" في إيطاليا حينما امتنعوا عن تحميل أسلحة على متن سفينة متوجهة إلى إسرائيل. صحيح أن غالبية المتظاهرين في هذه البلدان كانوا إما عربا أو مسلمين، ولكن وعلى غير العادة شهدت المظاهرات هذه المرة مشاركة فاعلة لقطاع واسع من الأوروبيين والكنديين والأميركيين، والغربيين على العموم.

 

تخاف إسرائيل العزلة الدولية بقدر ما تخاف من التهديد الأمني لكيانها، فمنذ تأسيسها وهي تحاول جاهدة صنع علاقات عامة، تزيلها من خانة "الدول المنبوذة". وهذا ما يُبينه حرصها على تطبيع العلاقات مع محيطها العربي أو حتى مع دول عالمية قد لا تبدو ذات ثقل سياسي عالمي مثل إريتريا أو تشاد. ولكن إسرائيل تحرص على إقامة علاقات مع مثل هذه الدول حتى تجعل لنفسها شرعية دولية. المظاهرات والحملات الإعلامية والمقاطعة كلها أدوات تضرب سمعة دولة الاحتلال، وتساهم في هدم ما بنته من علاقات عامة. فكل انتفاضة مسلحة تقابلها انتفاضة أخرى، إعلامية إلكترونية، قد تكون بقدر أهمية الأولى، فما ربحت قضية إلا وكانت لها واجهة إعلامية تُحصِّن انتصاراتها وتنتصر لمبادئها.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان