القدس بين التطبيع والشعارات الكذابة

حضور بارز لفلسطينيي 48 بالأقصى (الجزيرة)
حضور بارز لفلسطينيي 48 بالأقصى (الجزيرة)

 

القدس، الجرح الذي لا يلتئم، فهذه النكبة منذ وقوعها أصبحت مركز ثقل لكل صراعات الشرق الأوسط، حيث إننا لا نستطيع إلا أن نربط أي صراع حصل أو قد يحصل بالقضية الفلسطينية التي تعتبر القضية المركزية، فهي أشبه بمركز ثقل الأرض (Center of gravity)، أما فيزيائيا وعلميا فيمكن تعريفها بطريقتين، إما أنها مركز الكتلة للأرض الصلبة، أو مركز الكتلة لنظام الكرة الأرضية كاملا بما فيها من أرض صلبة وصفائح جليدية ومحيطات وغلاف جوي، وهكذا هي القضية الفلسطينية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي.

تكمن أهمية فلسطين في أنها قلب القارة الإسلامية العربية التي تمتد من إندونيسيا شرقا وصولا إلى المغرب غربا، فهي من الناحيتين الجيوسياسية والجغرافية تربط أفريقيا بآسيا، وهي تحتوي على أقدم مدينة في التاريخ وهي أريحا، وأهم مدينة دينية وهي القدس ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، اليوم تعاني هذه المنطقة من صراع محتدم منذ أكثر من 70 سنة، وتبقى هذه المدينة تترنح بين فكرة التطبيع والشعارات الكذابة، واليوم في ظل الحملة العنيفة التي تتعرض لها فلسطين ماذا بقي من التطبيع والشعارات الكذابة؟

 

قبل اتفاقية سايس بيكو ووعد بلفور وسقوط الدولة العثمانية سعى الغرب إلى أن يتخلص من اليهود في أوروبا، ثم خرج ثيودور هرتزل بفكرة إقامة وطن قومي لهم، ولم تكن الدولة بداية في فلسطين إنما طرحت في شبه جزيرة سيناء أو في الأرجنتين ومناطق أخرى، ولكن في نهاية المطاف تم الاتفاق على أن تقام في فلسطين، حيث وسط العالم الإسلامي كي يبقى مفككا وغير متماسك ومشتعلا كل الوقت في صراعات طائفية ومذهبية، فلقد ابتكروا كلمة "الأقليات"، وبدؤوا بنشرها بين الجماعات الدينية التي كانت تعيش تحت كنف الدول الإسلامية المتعاقبة.

 

وقد تكلم عنها بإسهاب الدكتور محمد عمارة في كتابه "الأقليات الدينية والقومية.. تنوع ووحدة أم تفتيت واختراق؟"، ففي السابق لم يكن هذا المصطلح موجودا في الأمة الإسلامية، فالأمة تضم مواطنين يتألفون من كل الأجناس والأعراق والأديان والطوائف، من الأكراد والسنة والشيعة والدروز والمسيحيين وغيرهم من طوائف وأعراق، ولكن مع زرع ذلك الكيان الغريب في المنطقة التي معظم أهلها يتبعون لمذهب واحد وهو أهل السنة والجماعة كان لا بد من حمايته كي يكبر وينضج، ويجب تدبير المكائد كي يستطيع الحفاظ على نفسه من ذلك التكتل الديمغرافي الضخم ويبقيه مشغولا، فبدؤوا بزرع فكرة الأقليات في أذهان الأقليات الدينية وتشجيعها على التحول إلى جماعات سياسية، وهذا المشروع يعزز قوة الكيان الناشئ، من المستحيل أن يبقى هذا الكيان مستقرا ويدوم رغم كل قوته المالية والعسكرية والدعم الخارجي، وأن يستمر في النمو ضمن جسد ضخم يختلف معه في الثقافة والدين واللغة والتاريخ إلا إن وجُد من يدعمه في المنطقة ويثبّت وجوده.

 

وتعتبر أطروحة الدكتوراه التي كتبها رؤوفين أرليخ الضابط الإسرائيلي السابق وكانت بعنوان "المتاهة اللبنانية.. سياسة الحركة اللبنانية الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان" بمثابة فضيحة للساسة اللبنانيين خصوصا، والعرب عموما الذين كان لهم دور أساسي في التحالفات مع الكيان الصهيوني وتثبيته في المنطقة.

فقد عملت إسرائيل مع حليفتها الولايات المتحدة الأميركية والعرب المتخاذلين لتشكيل دول طوق هدفها حماية إسرائيل مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا، فهذه الدول هدفها الحفاظ على الكيان الإسرائيلي من خلال إنشاء جيوش هدفها محاربة الشعوب وليس إسرائيل، وأكبر مثال ما حصل في سوريا فالنظام لم يطلق رصاصة واحدة منذ سنة 1973 على إسرائيل، ولكنه قتل وشرد الملايين من مواطنيه.

عملت إسرائيل جاهدة مع دول المنطقة مثل الإمارات والبحرين وغيرها من الدول لتطبيع العلاقات معها، فمع الأجيال القادمة لن تكون تلك الدولة غريبة إنما جسم طبيعي لا يتجزأ عن المنطقة العربية، وهكذا تذهب القضية مع الوقت، فهذا هو العدو الأول للقدس.

 

أما العدو الثاني فهو الشعارات الكذابة التي تطلقها إيران ومن يسبح في فلكها منذ نجاح الثورة في إيران، فقد تعمد الخميني أن يسمي الثورة بالثورة الإسلامية وليس الشيعية لعدة اعتبارات سياسية وجيوسياسية وجيودينية، أولا: عملت إيران على الاستحواذ ونقل المركز الديني من السعودية إلى إيران بعدة طرق، ثانيا: بدأت برفع الشعارات الإسلامية التي تدغدغ مشاعر المسلمين، منها القدس وتحريرها، فقد أنشأت "فليق القدس" برئاسة قاسم سليماني، وهدفه -حسب تعبيرهم- تحرير فلسطين والقدس، ولكن في الواقع لم يضرب رصاصة واحدة على القدس، إنما دمر كل الحواضر العربية والسنية بتلك الحجة.

لكن القدس كانت الورقة الأربح التي تاجرت بها إيران، وكانت تجارتها مربحة على الصعيدين الديني والتوسعي في المنطقة، وهذه الحجة سمحت لهم للتدخل في كل من سوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول العربية، حتى أنها أقامت يوما في السنة سمته "يوم القدس العالمي"، بتلك الأساليب الماكرة استطاعت أن تخدع الكثير من المسلمين بسبب خذلان الدول العربية الذين يروجون لفكرة التطبيع، استطاعت إيران أن تتاجر بهذا الملف، ولكن في الحقيقة هي لم تقدم إلا القليل وضمن شروط، والدليل ما حصل لمخيم اليرموك في سوريا أثناء الثورة السورية عندما رفضت حماس الغوص في تلك الحرب.

 

أما اليوم فلم يعد لذلك الدعم أي وجود، وهذا على لسان خالد مشعل الذي قال:

إن كل صواريخ حماس هي صنعها،

أين إيران من الحرب التي تشنها إسرائيل اليوم؟ أين حزب الله وصواريخه التي حسب قول أمينه العام حسن نصر الله:

إن عددها قرابة الـ20 ألف صاروخ؟

أين المليشيات الطائفية العراقية والأفغانية التي قتلت الشعب السوري بحجة القدس؟ ليس هناك أي تحرك، وذلك بسبب المفاوضات النووية التي لا تريد إيران لأحد أن يعكرها.

 

إن المقاومة ضد الحرب التي تشنها اليوم إسرائيل على فلسطين -إن كان في قطاع غزة أو في القدس الشريف، ورغم قساوة المشاهد والمجازر التي ترتكبها بحق الأطفال والنساء والشيوخ- استطاعت بفضل أبطالها أن تكسر المعادلة، وأن تبطل مشروع التطبيع وصفقة القرن التي كانت تسير بشكل سريع من قبل الإدارة الأميركية وحلفائها في المنطقة.

 

ومن جهة أخرى، استطاعت أن تكشف وتفضح زيف الشعارات التي كان ترفعها إيران، فلقد ألف الدكتور نبيل خليفة -وهو لبناني مسيحي ماروني كاثوليكي- كتابا بعنوان "استهداف أهل السنة" يقول فيه إن الإيراني والأميركي والإسرائيلي يختلفون في الكثير من الملفات إلا أنهم متفقون على الملف الأهم والأبرز، وهو تفتيت المنطقة وتفريغ القارة السنية من سكانها الأصليين، وإنشاء جماعات سياسية جديدة، فهكذا تضيع القدس بين التطبيع والتقسيم والشعارات، ولكن ما زالت الأمة تنبض بالحياة والطاقة، فلقد تعرضت الأمة لصدمات كبرى سابقة ونكسات مثل غزو المغول والحروب الصليبية إلا أنها استطاعت أن تنهض مجددا، وهذه الصدمات سوف تتكرر لعدة أسباب، منها مقولة كيسنجر:

من يملك قلب العالم -أي العالم الإسلامي- فسوف يحكم العالم،

ولكن كما ذكرت أن ذلك العالم كسر أهم الملوك والغزوات، وسوف تعود الأمة مجددا إلى رشدها وقوتها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة