غزة بئر الكرامة الذي لا ينضب..

جنازة أطفال في غزة استشهدوا في قصف إسرائيلي على منزل في مخيم الشاطئ (الجزيرة)
جنازة أطفال في غزة استشهدوا في قصف إسرائيلي على منزل في مخيم الشاطئ (الجزيرة)

 

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش خص قطاع غزة بقصيدة اعتبرت من أروع ما كتب بما تضمنته من فن الشعر للكلمة الموزونة والعاطفة الجياشة والكلمة الصادقة والالتزام بالصمود والكرامة الوطنية.

وفي ظل العدوان والمجازر الإسرائيلية -التي ترتكب بحق قطاع غزة وأهله- نستذكر قصيدة درويش وكأنه ما زال حاضرا بيننا إلى اليوم ويعيش مأساة غزة وما تعانيه من ظلم وعدوان.

تحيط خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. لا هو موت.. ولا هو انتحار.

 

إنه أسلوب غـزة في إعلان جدارتها بالحياة

فما يحصل اليوم في غزة يجعلنا نتعلم من هذا الشعب العظيم سر صموده أمام القوة الهائلة للكيان الصهيوني، ونستمد من دموعه الشموخ ومن زغاريد الأمهات خلف الشهداء عظمة الفداء من أجل الوطن؛ ذلك الوطن الذي يعيش فينا في شتى بقاع الأرض ونشتاق ونتوق حبا إليه، لأنه قبلتنا والبوصلة الصحيحة بهذه المرحلة العصيبة التي يمر بها المواطن العربي الذي يحكمه الانقلابيون والسماسرة والمطبعون واللاهثون خلف الكيان الصهيوني بكل ثقلهم لكي يجعلوا الأجيال القادمة تنسى فلسطين وترابها الطاهر الذي نتيمم به عندما تصفعنا حصارات الأقربين.

في غزة فقدت الإنسانية مضمونها، وللحظة بدا كأن أبواب السماء أغلقت في وجه هذه المدينة البائسة والفقيرة من كل شيء إلا من الدم الذي تدفعه ضريبةَ استمرارها بالحياة، وفي غزة يبدو كل شيء كئيبا. كتب محمود درويش أن شيوخ غزة بلا شيخوخة وأن نساء غزة بلا رغبات وأن أطفال غزة بلا طفولة.

وفي ظل تسارع الأحداث التي تجري في فلسطين المحتلة بكامل ترابها الطاهر يجعلنا عظماء أمام أنفسنا بأن هذا الشعب العظيم لم ولن يساوم يوما على مقدساته وترابه ومقاومة المحتل في كل المدن والقرى بالضفة والداخل وغزة، ورأينا تلك الوحدة التي عجز الفرقاء السياسيين عن التوصل إليها رغم مؤتمراتهم وحلفانهم اليمين تلو الآخر التي تنكسر أمام وحدة الفلسطيني بالداخل والشتات في جعل قضيته يسمعها كل شرفاء العالم والتنديد بما يمارسه الكيان الصهيوني من حرب إبادة لهذا الشعب في غزة هاشم.

إن ما يحصل اليوم من ممارسات الاحتلال وغطرسته هو نهاية هذا الكيان الهش أمام إرادة الشعب الفلسطيني العظيم في كسر "هيبة" جيش الاحتلال، وذلك بتحديد ساعة انطلاق الصواريخ بتوقيت المقاومة، حيث إن هذا التوقيت أصبح علامة فارقة وتحديا عسكريا عظيما من مقاومة محاصرة وشعب يعاني من هول الحروب، ورغم كل ذلك تخرج من غزة هيبتنا وقيمتنا وشجاعتنا التي نفخر بها في كل صاروخ ينطلق نحو المحتل الغاشم، وستبقى غزة عصية على الانكسار والانبطاح، لأنها تملك الكرامة التي لم تساوم عليها أبدا في اللحظة التي يخسرها كثيرا ممن يسمون أنفسهم "عرب".

 

وهنا أتذكر ذلك النص الذي كتبه القاص الفلسطيني "زياد خداش"

انتصارات غزة

في صيف قديم، زرت غزة مع فريق رياضي من نادي مخيم الجلزون، كنت تلميذا صغيرا، لم أتذكر من غزة سوى عودة فريقنا مهزوما أمام فريق رياضي في غزة.

في الباص وجمت وجوهنا، وبكى بعضنا، طلبنا من السائق أن يطفىء أغنية المذياع، كان السائق الغزاوي الأصل المقيم في الضفة يبتسم شامتا وهو يطفىء الأغنية، حدثت هزيمتنا في صيف قديم جدا ضبابي الملامح، وتحديدا قبل أن أعرف أن غزة ستواصل انتصاراتها على الضفة وعلى العالم وعلى نفسها في الشعر والحب والله والرياضة والبحر، وقبل أن أعرف أيضا أن انتصار غزة هو انتصارنا وأن ابتسامة السائق ابتسامتنا جميعا.

يا الله خذني إلى غزة، واهزمني هناك ألف هزيمة.

وكتب يوما لماذا أحب غزة؟ وكان هذا هو الجواب الذي أخرجه من أرواحنا ليصف هذا الحب لغزة من نبض قلوبنا التي لا تنضب بالحب لغزة ولأهلها ولفلسطين كاملة وشعبها الجبار الذي لن ينكسر أمام غطرسة الاحتلال وجرائمه التي تحصل الآن وبعد ذهاب الشهداء إلى النوم نقول لهم سبب حبنا لغزة.

أعرف أنها مليئة بالسفن والكلام والأخطاء، وأنها شريرة تتجاهل بكاء غدها وصغيرتها، على حساب موعد دافئ مع الله أو عشاء ثقيل أو سهرة حب سرية، وأنها قاسية لا تعتذر عن خطأ ترشقه في وجه صواب، ولا تحتفل بمرور سفينة من غدها إلى أمسها، وأنها مفلسفة، تقرأ كثيرا لتسخر أكثر، وأنها عبثية ومزاجية، تركل في طريقها إلى صلاة أو جنون أحلام الجيران، ولا تهتم بنشوة سمكة محبة تبزغ من مئذنة موج لتنضم فخورة إلى قصائدها أو أطفالها.

لماذا أحب غزة إذن؟ فكرت كثيرا بهذا السؤال، ولم يكن -كما هو متوقع- بُعدها واستحالة وصولي إليها على قائمة الأسباب المحتملة لحبها، هل أحبها لأني أحب أصدقائي فيها؟ فالمدن هي الأصدقاء، هذا ما قاله الشعر والخمر والحزن والتاريخ، هل أحبها لأنها محاصرة وعاثرة الحظ وضيقة ومكروهة؟ أنا الذي يهيم بالمطاردين والمنحوسين والمكروهين والمحاصرين. هل أحبها لأنها تنعس بيقظة الماكرين المموهة على كتف بحر؟ لطالما أحببت المدن التي تنام على أكتاف بحار، بعيون مفتوحة تنام، بقلوب مجروحة تستيقظ. هل أحبها لأن بحّاريها فقراء ومبتسمون وطيبون وأغلبهم بلا أسنان ومعاطف؟

هل أحبها لأنها غزيرة الشعر، كثيرة الكتب، عزيزة الموت، والمسافة بين ضحكتها ودمعتها هي المسافة نفسها بين شجرة عالية وفضول طفل؟ أنا الذي أكاد أطير من متعة تأمل العناق المخيف بين جثة وقصيدة، بين لوحة وطلقة، بين رقصة وقبر. لكل ما ذكرت أحب غزة، لكل ما لم أذكر بعد أحب غزة. لكل ما لا أستطيع أن أذكر أحب غزة. هذه هي غزة دون شرح أو تبرير، هذا هو أنا دون شرح أو تبرير. أحبك غزة الشاعرة والميتة والقوية والمخطئة والضاحكة والصديقة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة