الحريّة حليفة فلسطين

 

تعيش هذه الأيام فلسطين على وقع سمفونيّة وحشيّة بقيادة الكيان الصهيوني الغاصب الذي  خطر بباله أن يخرج أصحاب الأرض من بيوتهم في حيّ الشيخ جرّاح في شهر مبارك وأيام لها رمزية كبيرة لدى المسلمين. دائما ما يختار الاحتلال أوقاتا تمسّ بالأذى مشاعر المسلمين في كلّ أصقاع الأرض ويستعرض وحشيته المعهودة في الاعتداء على المصلين والمرابطين في المسجد الأقصى، فلا يفرّق بين النساء والأطفال والشيوخ ولا يأبه بما تمثله هذه الأيام المباركة لدى المقدسيين وعموم المسلمين. ما يهمّ الكيان الصهيوني فقط هو افتكاك مزيد من الأرض وهرسلة الشعب الفلسطيني واقتلاع الأصل من مكانه بالقوّة وتحريف التاريخ وتغيير الجغرافيا وفق حساباته ومصالحه.

 

القانون الدولي آخر اهتمامات الكيان الصهيوني

وعندما تتقدّم الدبابات الصهيونية فهي لا تأبه أبدا بالقانون الدولي ولا بالأمم المتحدة ولا بمجلس الأمن و لا بالأعراف والمعاهدات الدوليّة. كيف لا؟ وهي الابن المدللّ الذي استعملت من أجله الولايات المتّحدة الأميركية حقّ الفيتو عشرات المرّات رغم ما اقترفه من تقتيل وتهجير ومذابح للشعب الفلسطيني الذي تنكّر له شركاء الدمّ والدين والمصير قبل الأعداء. لا ترى إسرائيل أن القوانين المكتوبة والمهجورة في رفوف المحاكم الدوليّة تخصّها بل تخصّ الدول الضعيفة والفقيرة أو الدول الصاعدة التي تعارض سياسات الولايات المتّحدة. ما يعنيها فقط هو الاستمرار في ربح الوقت والاستفادة من هذا النظام العالمي الأعرج وغير المتكافئ الذي منح الكيان الصهيوني عقودا من الحق في ممارسة الظلم واغتصاب الأرض.

 

ورطة نتنياهو

ولا يمكننا أن نقرأ الأحداث التي تجري الآن في أكناف بيت المقدس عبر سرعة إسرائيل المحمومة في استعمال العنف وتوتير الأجواء دون النظر إلى الأزمة السياسية الداخلية التي يعيشها الكيان الصهيوني بخاصّة رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو الذي يسعى جاهدا إلى خلط الأوراق خصوصا بعد عجزه عن تشكيل الحكومة عقب الانتخابات الأخيرة. ليس هنالك على أجندة نتنياهو أفضل من انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني واختلاق حرب جديدة قديمة تستمرّ بضعة أيام يستعطف بها الناخب الإسرائيلي حتى يجده مستعدا لإجراء انتخابات مبكّرة. وفي الواقع تحريك قطع الشّطرنج الذي يقوم به نتنياهو زاد في ورطته باعتبار أن هذه السياسة أصبحت مفضوحة ومكشوفة ويقرّ بها الناخبون الإسرائليون أنفسهم، وذلك سيجعل الأزمة الداخليّة التي يعيشها الكيان الصهيوني قابلة للتعمّق أكثر فأكثر رغم المسكّنات التي يوظفها نتنياهو المتمثلة في تخويف المستوطنين من العدوّ الفلسطيني.

 

وعد من لا يملك لمن لا يستحقّ

ولا يمكن لنا أن نتغافل عن التاريخ الذي درسناه جميعا الذي يعلمنا أن "بلفور" وعد اليهود سنة 1917 بدولة مزعومة اسمها إسرائيل وكان وعدا من مستعمر بريطاني ليست له الملكية أو الشرعيّة حتى ينتزع الأرض من أصحابها ويمنحها لمن لا يستحقّها لكن موازين القوى في العالم ونتائج الحرب العالمية الثانية مكّنت هذه القوى الاستعمارية من تحقيق هذا الوعد سنة 1948، وفتحت الباب أمام معركة جديدة من معارك التحرر الوطني في مكان يمسّ مشاعر المسلمين في كلّ أصقاع الأرض قبل الفلسطينيين. وكرّر التاريخ نفسه عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق "دونالد ترامب" القدس عاصمة للكيان الصهيوني سنة 2016، في محاولة منه لتجديد وعد قديم استمرّ 100 عام. غيرأن كل هؤلاء المستعمرين والمغتصبين يعلمون جميعا أن المعركة ما زالت طويلة جدّا وأنهم رغم كلّ ما حقّقوه من سياسات استيطانية واقتطاع للأرض وتغيير لهوية الأحياء والمدن قابل للاندثار بخاصّة إذا ما نظروا إلى الشارع العربي الذي لم يهدأ له بال في الدفاع عن قضيته المركزية والأولى وهي إرجاع الحق إلى أصحابه.

 

الشارع العربي لم ينتظر أنظمته

لم يتعوّد الشارع العربي انتظار أنظمته حتى يتحرّك احتجاجا للدفاع عن فلسطين وعن القدس الشريف بخاصّة أنه يعلم جيدا وسلفا مواقف أنظمته الحاكمة التي لا ترقى إلى أن تكون إلا مجرّد كلمات جوفاء مفرغة من المعنى تتلوّن بشعارات التضامن المزيّف. في الحقيقة، يتحرّك الشارع العربي إيمانا منه أن القضيّة الفلسطينية هي آخر قضية استعمارية تتوفّر فيها عناصر المقاومة والدفاع عن الأرض والهويّة والدّين ولا ينتظر من حكّامه سوى الصمت العادي والمعتاد الذي لا يملك حولا ولا قوّة. طبعا لا توجد غرابة في هذا الأمر خصوصا أن بعض الأنظمة العربية قد ركبت قطار التطبيع ووقّعت معاهدات السلام، وقدّمت لنا دروسا وعبرا في علاقة المسلمين مع اليهود وضرورة إحلال السلام في العالم برعاية أميركية وبروباغندا إعلامية بائسة ويائسة. أصبحت الشعوب العربيّة تتفاعل مع القضيّة بحماسة أكبر كلما قدّمت أنظمتها مزيدا من التراجعات، ولا أدلّ على ذلك من الوقفات التضامنية أمام السفارات والفارق الكبير الذي أحدثه الشارع العربي على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للانتهاكات الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني الأعزل في أكناف بيت المقدس. إدارة فيسبوك على سبيل المثال انزعجت كثيرا من حملات المناصرة التي يقودها الشباب العربي لفضح الاعتداءات المتواصلة من الجنود الإسرائيليين على "حيّ الشيخ جرّاح" فحظرت الآلاف من الحسابات المؤثرة على الفيسبوك وأغلقت بعضها نهائيا، لأن هذه الشركات المموّلة والمدعومة من اللوبي اليهودي في الولايات المتّحدة الأميركية بكل بساطة يتوقّف إيمانها بالحريّة والديمقراطيّة عندما يتعلّق الأمر بالحق الفلسطيني. غير أن هذه الأساليب المعتمدة والمعتادة تؤكّد أن الشباب العربي قد نجح مرّة أخرى في تعرية الحقائق والكشف عن الوجه الهمجي للكيان الصهيوني اعتمادا على التكنولوجيا.

 

الحريّة حليفة فلسطين

وسيظلّ احتجاج الشعوب العربية وهتافها من أجل الحقّ الفلسطيني منقوصا وغير مؤثّر إذا لم تدعمه أنظمة حاكمة منتخبة ديمقراطيا ونابعة من إرادة شعوبها. أوّل درس يمكن أن نتعلّمه من فلسطين هو الحريّة والحقّ في تقرير المصير، ومن ثم فإن بعض الحكّام العرب الجاثمين على صدور شعوبهم عبر الانقلابات وقوّة السلاح لا يمكنهم استيعاب هدف الفلسطينيين أو حتى مجرّد فهم مطالبهم فضلا عن ارتباط هؤلاء الحكّام بأجندات خارجية لا تهمّها الشعوب بقدر ما يهمّها أمن الكيان الصهيوني في المنطقة. الأنظمة الحرّة والمتحرّرة هي وحدها القادرة على الفعل والتفاعل الإيجابي مع مطالب جماهيرها الشعبية أمّا الأنظمة المستبدّة فلن تقدم إلا مزيد تهميش لمطالب شعوبها وقضاياها المركزية. هي معادلة رياضيّة تقتضي أن نفهم أن فلسطين تختنق كلّما اختنقت الحريّة في العالم العربي وتتتنفّس كلما اتّسع مجال الحرية والديمقراطية.

ويمكننا في هذا الإطار التذكير بخطاب الرئيس المصري السابق الشهيد "محمّد مرسي" الذي انتخب ديمقراطيّا والذي عبّر عن إرادة شعبه تجاه القضيّة الفلسطينية قبل أن تسقطه ماكينة الانقلابات العسكرية المتحالفة مع الكيان الصهيوني الذي استشعر الخطر عندما تحدّث الراحل على ضرورة العمل على تصنيع الغذاء والدواء والسلاح قبل التفكير في مواجهة إسرائيل. هذا الخطاب ينمّ عن واقعية كبيرة فالعدوّ الصهيوني لا تهمّه الشعارات الجوفاء بقدر ما يسعى إلى إيقاف كلّ مشروع أو خطّة يمكنها أن تهدده مستقبلا.

مثال آخر للأنظمة الحرّة يأتينا من تونس حين زار وزير الخارجية التونسي السابق "رفيق عبد السلام" قطاع غزة بعد الثورة التونسية وعقد ندوة صحفيّة تحت القصف الإسرائيلي ناقلا بذلك مشاعر شعبه تجاه إخوانه في فلسطين .

كلّ هذا يؤكّد أن مطلب الحرية والديمقراطية في العالم العربي ما زال مطلبا أساسيّا وملحّا يسهم في تعزيز الثقة بين الشعوب وأنظمتها ويمهد الطريق لاستعادة الحق المسلوب منذ سنين طويلة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة