دوري السوبر الأوروبي.. تمرد على النظام العالمي الجديد

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

 

في الـ18 من أبريل/نيسان الجاري أعلن رئيس نادي برشلونة، جوسيب ماريا بارتوميو، فكرة مسابقة كرة قدم سنوية مقترحة للأندية يتنافس عليها 20 ناديًا أوروبيا لكرة القدم.

توافق على الفكرة 15 ناديا مؤسسا على أن تنضم إليهم 5 فرق، تلك 20 كاملة، روّج مؤسسو البطولة لها بأنها ستتفوق على دوري أبطال أوروبا من حيث الأندية المشاركة والعوائد المالية الضخمة، لما تضم من نخبة فرق كرة القدم في العالم؛ أكبر 3 أندية إسبانية، وأعرق 6 أندية إنجليزية، وأهم 3 فرق إيطالية على أن ينضم إليها 3 فرق من أصحاب الشعبية الكبيرة ليس في أوروبا فقط بل على مستوى العالم لتوسعة دائرة الأندية المؤسسة ليكتمل العدد 20 قبل انطلاق البطولة التي قرر أن تبدأ في أغسطس/آب المقبل، وتقام مبارياتها وسط الأسبوع بعيدا عن ترتيبات الاتحاد الأوروبي ومبارياته.

وكان من المتوقع أن يحصل الدوري الجديد الذي سيستمر طوال العام أسبوعيا على ما يقارب 3.5 مليارات يورو لدعم خطط الاستثمار في البنية التحتية ومواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا تتقاسمها الفرق المؤسسة، على أن تحصل الفرق الأخرى على 400 مليون يورو، لكنه سيحصد معهم مزيدا من آهات الجماهير الجاذبة لشركات الإعلان.

 

دوري السوبر حلم له مسوّغاته

فلورنتينيو بيريز رئيس نادي ريال مدريد وصاحب الفكرة وأكثر المتحمسين لها أرجع السبب وراء الدعوة للبطولة الجديدة إلى رغبة الأندية المؤسسة ومن سيلحقها مؤمنا في زيادة حصصها من العائدات، فحسب بيريز فإن تلك الفرق تستحق عائدات أكبر من تلك التي تحصل عليها من الاتحاد الأوروبي في دوري أبطال أوروبا.

ولما كان العالم يمر بظروف صحية أغلقت عليه سيولة الحركة وسهولتها وقيدت الأنشطة فإن تلك الفرق تكبدت خسائر كبيرة على مدار العام ونصف العام الماضيين، ومن ثم من حقها النظر في أفكار إبداعية لتعويض خسائرها المالية جراء ذلك الإغلاق بسبب جائحة كورونا، ولما كانت تلك الفرق هي مصدر المتعة للجماهير، وبضاعة الاتحاد الأوروبي الرائجة، فيرى رئيس نادي برشلونة أن تلك الفرق واقعة في غبن كبير ويستغلها الاتحاد الأوروبي الذي يجني المليارات بعرق وجهد واستثمارات هذه الفرق الكبيرة سبب هذه المليارات ومصدرها.

فالمؤسسون يرون أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يسيطر على مقدراتهم ويستفيد منها بقوة التنظيم، فلا يمكن بأي حال أن يأسر التنظيم كل الأندية لرغباته لا سيما أن هناك الكثير يمكن أن يحكى عن هذا التنظيم، وتشهد على ذلك قضايا الفساد والتلاعب في نتائج المباريات في الفترة من 2008 إلى 2011 فقط كمثال وإن كان التاريخ مملوءا، ولا يقف الفساد عند الاتحاد الأوروبي، بل الاتحاد الدولي أيضا تاريخه ممتلئ بملفات الفساد منذ عشرات السنين.

ومع شعور المؤسسين بحالة الاستغلال الواقعين تحت ضغطها يرون أن بالإمكان حصد المأمول من المشروع وتخطي عقبة الاتحاد الأوروبي المستحوذ على القرار والفائدة، فالنظر إلى الشعبية العالمية الجارفة للفرق المشاركة في البطولة، مع عدد المباريات الكبير الذي ستلعبه الفرق وفي ظل تسويق قوي لها فإن المشروع من المؤكد أنه سينجح لا سيما أن أغلب رؤساء الأندية من رجال الأعمال وأصحاب خبرات كبيرة ولديهم شبكة علاقات واسعة بإمكانها تحقيق المأمول.

ستيفاني فرابار – طاقم تحكيم نسائي في كأس السوبر الأوروبي (مواقع التواصل الاجتماعي)

رد فعل عنيف من الدوائر الرياضية والسياسية

تداعى وبسرعة فاقت الخيال كلّ من الاتحاد الأوروبي والدولي ناسين الحظر الصحي الذي يعيشه العالم وفاقا من ثباتهما ليرفعا عصا العقوبات في وجه البطولة ومنظميها بداية من الغرامات المنتظرة التي تقدر بالملايين إلى استبعاد اللاعبين المشاركين في البطولة من المشاركة في عرس كأس العالم، مرورا بمنع الأندية المشاركة في البطولة المقترحة من المشاركة في البطولات التي ينظمها الاتحادان بما فيها البطولات المحلية، وأوعز كلا الاتحادين الأوروبي والدولي إلى الاتحادات المحلية للإسهام في حفل العقوبات ورفع صوت العقوبات وسوطها في وجه الفرق المشاركة.

والأمر لم يقف عند حد المجال الرياضي، بل ذهب إلى ساحة السياسة فقد صرح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بأن "دوري السوبر ليس في مصلحة الجماهير أو كرة القدم. كيف نسمح ببطولة مغلقة تمنع الأندية من التنافس مع بعضها بعضا واللعب مع بعضها بعضا؟ إذا لزم الأمر، ومن أجل حماية مبدأ المنافسة فإننا سنسعى إلى حل تشريعي، لمنع إقامة البطولة"، بريطانيا ستتدخل بحل تشريعي لمنع البطولة!

ولم تبتعد الجارة الفرنسية عن الخط بل مشت عليه بحذافيره، فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -في بيان أصدرته رئاسة الجمهورية- إن "رئيس الجمهورية يرحب بموقف الأندية الفرنسية الرافض المشاركة في مشروع دوري السوبر الأوروبي الذي يهدد مبدأ التضامن والجدارة الرياضية".

تدخل تشريعي متاح في بريطانيا، وازدراء لمن شارك في البطولة في بيان فرنسا، وعقوبات تبلغ حدّ إنهاء مستقبل الفرق المشاركة لتصبح مجرد تاريخ يتذكره مشجعوها من الاتحاد الدولي والأوروبي والاتحادات المحلية، ردّ فعل قوي الغرض منه بلا شك قمع المحاولة والتمثيل بمن حاول حتى يكون عبرة لمن أراد التمرد على النظام المعمول به، فلا يجوز لأحد أن يخرج على النظام ولو رأى نفسه مظلوما أو حتى مغبونا، فهذا النظام وضع بدقة ولا يجوز الخروج عليه، لكن الغريب أن الجماهير، غير المستفيدة من هذا النظام، أصبحت تدافع عنه رغم أنها خارج حسابات مؤسس النظام ومديره وأطرافه، بل هي خارج المنظومة بالكلية، مع ذلك خرجت تدافع عن النظام مدفوعة بسحر ما سوق له وبفعل العادة والاعتياد.

دوري السوبر الأوروبي "الانفصالي"
الإعلان عن البطولة (الجزيرة)

حرب التحرير تبدأ من السوبر الأوروبي

في عام 1990 ونتيجة لغزو الكويت الغاشم فرض مجلس الأمن حصارا على العراق، لقد كان العقاب مقبولا بوصفه ردّ فعل طبيعي على تجاوز دولة على جارتها، لكن العقاب تجاوز حدود عقاب النظام إلى إذلال الشعب العراقي وتجويعه.

وقد عانى العراقيون ولا يزالون آثار هذه العقوبات فمنع عنهم الطعام وأدوات الإنتاج سواء أكانت صناعية أم زراعية، حتى لبن الأطفال منع وأدى ذلك إلى وفاة مليون ونصف مليون طفل نتيجة الجوع ونقص الدواء الحاد وافتقادهم أبسط وسائل الحياة، كذلك منعت عنهم التكنولوجيا فصار العراقون يعيشون غير ذلك الزمان الذي يعيشه العالم، لكن الحقيقة أن مجلس الظلم هو من رعى هذه العقوبات الجائرة.

ولم يكن العراق النموذج الوحيد لجور مجلس الأمن وجمعية منظمته العامة، فسوريا سبقت وفلسطين من قبل وأفغانستان في 2001 حيث أقرّ الحرب في أفغانستان بتمرير الخمسة الكبار للقرار ولكل في ذلك غاية وإن تفرقوا فالنتيجة تدمير دولة وإعادتها إلى عصور ما قبل التاريخ، وبعد سنتين فقط من الحرب في أفغانستان كان القرار بالتخلص من العراق الدولة قبل عراق النظام بالضربة القاضية وخارج نطاق المنظمة لكن بتواطؤ منها بإيثار السكوت بتفاهمات من أميركا مع الخمسة الكبار، وهو ما جعل أميركا في حلّ من أمرها، تفعل بالبلد الكبير ما تشاء، فجعلت أعزة أهلها أذلة، وقضى الثور الأبيض نحبه لكن من سكت ينتظرون ولو طال الأمد.

فطالما كان القرار في يد الخمسة الكبار من خلال منظومة وضعها المنتصرون في الحرب الكونية التي لم يكن أطرافها معظم أعضاء المنظمة، فإن رغبات الكبار ينفذها الآخرون صاغرين حتى لو كانوا مظلومين أو مغبونين، ترمي المنظمة إلى فرض السلم والأمن الدوليين، وإلى تعاون اقتصادي واجتماعي بين الدول الأعضاء يحقق الرفاة للبشر لكن الكبار اتخذوا المنظمة وسيلة لفرض نظام جديد يجعل من هم دونهم تحت تصرفهم في احتلال تعدّى السلاح والجيوش، إلى فرض قواعد سلوك ومعيشة واقتصاد على الصغار تطبق وتسنّ بها التشريعات جبرا في هذه الدول ولو خالفت تلك المواثيق تشريعات هذه الدول أو حتى شريعتها.

أنساق اقتصادية ومعاملات بنكية مربوطة مصرفيا بنظام عالمي لا يمكن الانفكاك منه، مربوطة جميعها بمصالح الكبار، والتنمية في البلاد الصغيرة الفقيرة مرهونة بشروط صندوق النقد الدولي من خلال قروض تفرض قيودا لتمرر عبرها سياسات اقتصادية معينة وأنماطا معيشية رآها الكبار الأفضل لحياة البشر، بأحادية دكتاتورية، وهم أهل الديمقراطية.

مدونات سلوكية تمرر من خلال مواثيق تبيح الإجهاض والمثلية والإباحية وتعليم الصغار الثقافة الجنسية ضاربة عرض الحائط بمنظومات القيم لكل المجتمعات، فالخير ما يراه الكبار، فهم أولياء الأمر، ليعيش الانسان مرهونا بمنظومة عالمية فصلت على مقاس الكبار، كتلك التي تحاصر بها فرق السوبر الأوروبي.

وعلى الرغم من أن جغرافية العالم الإسلامي البالغة 32 مليون كم2 تشمل كل أنواع المناخ، وهي من أغنى المناطق الزراعية في العالم، وكذلك يمتلك العالم الإسلامي ثروات طبيعية ومعدنية كبيرة، وموارد أخرى كثيرة، من النفط والغاز الطبيعي والمعادن الأخرى، وتتوفر موارد الطاقة في 35 دولة من عالمنا الإسلامي، ويشكل إنتاج النفط 43% في حين يشكل الغاز 8% من الإنتاج العالمي، ويتميز العالم الإسلامي بالاحتياطيات الهائلة من المعادن، فالقصدير مثلا يمثل نسبة 56% من الاحتياطي العالمي والكروم 40% والنحاس 25% والفوسفات 25% والمنغنيز 24% والبوكسايت 23%، وهذه نسب عالمية كبيرة كفيلة أن تجعل منها ثروة عظيمة للعالم الإسلامي، فإنها رغم كل ما سبق كما الفرق التي حاولت تأسيس الدوري الأوروبي الاتحاد المنظم للعبة، فلا تستطيع دولة أن تغرد خارج إطار المنظومة العالمية، مع أنها تمتلك أسباب وجود هذه المنظومة، ويعتاش القائمون على المنظومة من خير هذه الدول أو إن شئت الفرق.

ويبقى السؤال: هل يستطيع أحد رؤساء الدول الإسلامية أن يؤسس لدوري تلعب فيه 59 دولة إسلامية تملك كل مقومات النجاح لإمتاع جماهيرها؟

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة