حوارات صائدة للأفكار في ثورة يناير

 

في صباي سمعت من والدي -رحمه الله- أن أحد أساتذتهم في الكلية -ثم في الدراسات العليا- كان ماهرا في اقتناص المعلومات من تلاميذه، إذ كان يدفعهم دفعا إلى مناقشة بعضهم بعضا ويستمع إليهم فيتعلم منهم ويجمع بكل ما يخص الموضوع الذي خُصص له الدرس. كنت أتعجب من هذا الأسلوب وأتشكك في أن يكون مثل هذا الرجل أستاذا جامعيا أو عالما يبني معلوماته على هذا النحو الممزق، وكأنه ذلك الرجل الذي ينسج بقايا الأقمشة ليصنع منها سجادة من الكليم كلُّ خامتها هي تلك البقايا التي كانوا يسمونها "قصاقيص"، ومن العجيب أن هذه "القصاقيص" في الستينيات كانت تصنع للفقراء ما يناظر السجادة أو ما يقوم مقامها، وكان هذا حلا شعبيا ذكيا من حلول المصريين الأذكياء في التعامل مع الفقر.

كنت أنظر إلى هذا الأستاذ على هذا النحو، وأعتقد أن معلوماته عن الموضوعات الجديدة لن تكون على مستوى ما هو معروف في العلم بنسيجه ورونقه وتقسيماته واكتماله.

لم أكن أفهم العلم واكتسابه إلا على النحو المكتمل، ولم أكن أفهم محدودية المدى الذي يمكن للمناقشات أن تلم به من العلم على هذا النحو الضعيف.

 

لم أكن أصدق

وظلت هذه الصورة في ذهني قابلة للاستدعاء والاستشهاد دون أن تكون قابلة للتصديق التام، حتى حدثت ثورة يناير 2011، وإذا بالمجلس العسكري يدبر (أقول يدبر بالياء من "التدبير") كل معلوماته من هذا المورد وحده وبهذه الطريقة وحدها.

أردت أن أؤكد ما استقر عليه رأي الناس من أن المجلس العسكري لم يشغل باله باستيعاب موضوع (أي موضوع) من الموضوعات المتعلقة بإدارة الدولة أو سياستها، وإنما اعتمد تماما على أن يجري حوارات أو محاورات ويدفع أصحاب الآراء إلى الصراع ويسمع هو ويختار مما يسمعه ما يتوافق مع ما يريده، وفي الوقت ذاته يختار ممن يسمعهم من يتوسم فيهم أن يحققوا مراده.

أدركت هذا المعنى منذ الأيام الأولى للمجلس العسكري، وترحمت على والدي الذي فتح أمامي مغارة علي بابا الكفيلة بالتصور الكامل والتصوير المتنامي لقدرة هؤلاء على أن يصوغوا قرارا أو يكونوا رأيا أو أن يقودوا توجها.

وأخذت أعود بالذاكرة إلى مخزونها لتذكر اسم هذا الأستاذ وما وصل إليه، فإذا بي في ذات ليلة أتذكر حوارا بين والدي وصديق له كان هو الآخر أستاذا لي حبيبا إلى قلبي، وكان هذا الأستاذ الحبيب إلى قلبي يمت بصلة قرابة إلى أستاذ والدي، كأنه كان خاله مثلا أو خال والده، سأل والدي -رحمه الله- أستاذي عن هذا الرجل بصيغة: ما أخبار خالك فلان يا فلان؟

 

المساران المتوازيان

بدأت حوارات المجلس العسكري على مسارين متوازيين وغير متقاطعين، أولهما برئاسة الدكتور عبد العزيز حجازي الذي هو في ذلك الوقت أقدم شخصية تنفيذية باعتباره رئيس الوزراء السابق (1974- 1975)، وكان زكريا محيي الدين لا يزال على قيد الحياة، لكنه كان مريضا ومعتزلا الحياة.

وكان المسار الثاني برئاسة الدكتور يحيى الجمل الذي اختير نائبا لرئيس الوزراء "الفريق"، فلما أقيل الأخير أو استقال، وكُلف عصام شرف بتشكيل الوزارة، أعاد المجلس العسكري يحيى الجمل ليكون نائبًا لرئيس الوزراء الجديد.

وكان الرجلان -الفريق وشرف- أصغر من يحيى الجمل بكثير.

ومن الطريف أن عبد العزيز حجازي كان هو رئيس الوزراء الوحيد الذي عمل يحيى الجمل تحت رئاسته وزيرا، أي أن يحيى الجمل لم يعمل وزيرًا إلا في عهد وزارتي عبد العزيز حجازي التي كان حجازي فيها رئيسا للوزراء بالنيابة عن السادات (أبريل/نيسان 1974 – سبتمبر/أيلول 1974)، وفي وزارة حجازي نفسه (سبتمبر/أيلول 1974 – أبريل/نيسان 1975)، وانتهى عهده بالعمل الوزاري منذ ذلك الحين وحتى جاء به المجلس العسكري نائبا لرئيس الوزراء. ومن الطريف أني كنت أرتبط بعلاقات وثيقة جدا مع كلا الرجلين، حتى إنهما -مشكورين- تفضلا فجاملاني بحضور جلسة تتويجي عضوا في مجمع اللغة العربية قبل 8 سنوات من ثورة يناير، وكنت دائم الالتقاء بهما بحكم اللقاءات العلمية والمهنية والوظيفية.

 

فكرة وزارة الإنقاذ

لما تعقدت الأمور فيما بين 30 يناير/كانون الثاني (حين كلف الرئيس مبارك الفريق بتشكيل وزارة) و11 فبراير/شباط (حين تنحى الرئيس مبارك) كانت الدولة كلها تفتح ذراعيها لأي حوار أو اقتراح لحل الأزمة، وذلك من قبيل تجنب عزل مبارك، أو من قبيل تجنب سقوط النظام.

فلما سألتني جريدة الأهرام عن مقترحاتي قلت إن أول شيء هو تشكيل وزارة إنقاذ لا يدخلها وزراء جدد على نحو ما فعل الرئيس مبارك في وزارة الفريق، وإنما يدخلها وزراء قدامى من المحبوبين الناجحين أو المقبولين القادرين على التوافق لصياغة حل لا يكون فيه اهتزاز كبير لفكرة الدولة، لأن الاهتزاز الشديد سيزلزل كيانات قائمة الآن على سند ضعيف.

ومن الطريف أن الأهرام لم تقبل بالفكرة من دون أسماء محددة فاقترحتُ أكثر من 10 أسماء على وجه التحديد القاطع، ونشر اقتراحي والأسماء المقترحة في الصفحة الأخيرة من الأهرام بسبب ما اعتقد المسؤولون عن التحرير من أنه أهمية بالغة للاقتراح، وكانوا على حق، فسرعان ما أخذ المجلس العسكري بهذه الفكرة مع وضع لمستهم، لكن العجيب أن المجلس لم يخرج أبدا في اختياراته للقدامى عن المجموعة التي ذكرتُ أسماءها على وجه التحديد!

فوجئت عند الإعلان عن الحوار الوطني والوفاق الوطني برئيسَي الحوار والوفاق يتكرمان فيدعواني للمشاركة، ولم يكن بوسعي أن أعتذر كالعادة، فالرجلان جاملاني، وكانا -حتى ذلك الوقت- لا يزالان يجاملانني، ثم إن العلاقة معهما أصبحت دورية؛ فقد تعودت لقاء الدكتور حجازي في صلاة الجمعة ولقاء الدكتور يحيى الجمل في مواضع كثيرة، منها على سبيل الطرافة صالون الحلاقة الذي أتعامل معه منذ 40 عاما، وكذلك هو (الجمل)، وكنا إلى حد ما جارين طيلة هذه السنوات الـ40. وقد تطور الأمر في سياقه الطبيعي بأن كلفت بمهام غير منظورة في الوفاق والحوار كان منها -أو كان أهمها- مراجعة الصياغات الأخيرة للبيانين اللذين كان من المفروض أن يصدرا عن الوفاق والحوار.

دعك من تطورات هذا كله لأصور لك -فيما بعد- ما بقي من تفاعلات الحوارين الأولين قبل أن يدخل المجلس العسكري إلى دائرة إدمان الحوارات والاعتماد عليها بديلا عن الأكل والشرب في تغذية الحياة السياسية.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة