بناء الأمة من بناء شبابها..

 

عندما وصل نابليون إلى مصر سنة 1799، وقف أمام الأهرامات حزينًا قائلًا في نفسه:

لقد وصل الإسكندر الكبير إلى مصر وهو في سن الـ24،

أما أنا فلقد وصلت إليها في السن 29.

هذة القصة تظهر لنا كيف كان الشباب في العصور السابقة يفكرون في فتح البلاد والقتال والغزو، وهناك الكثير من الأمثلة التي تدل على نضج الصغار مثل عقبة بن نافع وعبد الله بن الزبير ومحمد بن القاسم الثقفي والكثير من الشخصيات الأخرى. لقد كانت تمتلك تلك الشخصيات القدرة والمعرفة الكافية كي تقود جيوشا بأكملها، أما اليوم فنرى شبابنا يتلهى على مواقع التواصل الاجتماعي، والسهرات مع الأصدقاء دون بناء حقلٍ معرفي قادر على أن يواجه الصعوبات التي تتعرض لها بلادنا من الداخل والخارج، وهذا التصحر الفكري أدى إلى ضياع هويتنا الثقافية والدينية بعد أن استطاع الغرب أن يضرب قيمنا وعمقنا الثقافي دون وجود أي مقاومة شبابية قادرة على التصدي لتشويه الأفكار التي يتم تصديرها من خلال عدة طُرقٍ. ولهذا الانحلال الفكري نتائج خطيرة أدت إلى ضياع القيم الإنسانية والدينية وتراجعٍ حضاري غير مسبوق، ولكن ما هو سبب ضياع شباب الأمة؟

 

جاء أبو سفيان إلى زوجته هند بنت عبتة ونظر إلى ابنه الطفل معاوية وقال:

إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه،

فقالت هند:

قومه فقط؟ ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة"

لقد زرعت هند بنت عتبة روح القيادة في ابنها معاوية وزرعت فيه روح الشجاعة والجرأة، وعملت على إنضاجه السياسي وتمرسه حتى وصل إلى قيادة الدولة الأموية بعد أن تولى إمارة الشام مدة 20 عامًا، فهذه الأساليب تساهم في تكوين شخصية الإنسان منذ نشأته كي لا يكون مثل أي ذكرٍ، إنما رجل قادر على التغيير والإصلاح وعلى مواجهة الصعاب.

 

إن طفولة الإنسان هي أساس تكوين شخصيته في كِبره، ولكن للأسف يتعرض أطفالنا في المدارس إلى أسوأ أنواع التعليم بشكلٍ ممنهج. إن معظم المدراس بمختلف المناهج، تقوم بالتركيز على العلوم المادية والتطبيقية مُهملةً العلوم الروحية وفن القيادة والعلوم الفكرية، فترى معظم الشباب لا يأبهون منذ صغرهم بالعلوم الإنسانية التي تعتبر طب المجتمع، وعلى رأسها العلوم السياسية، وعندما يكبرون يكون قد تم زرع عقولهم بالموروثات العفنة التي تبجل من يدخل الطب والهندسة وتحقرّ من يدخل قسم العلوم السياسية أو العلوم الشرعية، ناهيك عن أن لا مستقبل ولا وظيفة محترمة لمن يتعلم تلك العلوم. فيكبر الصغير دون إلمامٍ بفنون القيادة ولا يتمتع بروح المبادرة، فتبقى تلك الشخصية مرافقةً له، فيصبح أقصى طموحه عندما يكبر أن يكون موظفا في أحد البنوك وأن يشتري منزلًا ويتزوج، في حين أن تلك الأحلام ما هي إلا حقوق طبيعية في دول الخارج، ولكن البيئة التي تربى فيها لم تزرع في نفسه الطموح والخيال والتوسع والتعمق الفكري الخارج عن النمط المعتاد والسائد، فيتربى جيل لا يملك أي رؤية ويصبح همه الوحيد هو المادة خاليًا من الروح.

هذا على المستوى التربوي العائلي والمؤسسات التعليمية، أما بالنسبة للدولة فلقد أدت سياسات الحكومات إلى محاربة الشباب وتدمير طموحهم بشكل كبير وواضح، نرى أن معظم قيادات الأمة من نوابٍ ووزراء ورؤساء هم من الذين تخطت أعمارهم الستون والسبعون، فتبدأ جدلية صراع الأجيال التي يقوم جوهرها على محاربة جيل الشاب لأنه منافس للجيل الأكبر منه ولا يملك الجمود الفكري الذي يملكه ذلك الجيل، فيحاربه ولا يسمح له بالتطور إطلاقًا، كما أن إستراتيجيات الحكومات ليس من ضمن أولوياتها بناء أجيالٍ من الشباب القادر على قيادة الأمة وتولي أعلى المناصب، وهذه أحد أسباب التراجع الحضاري الحاصل في دولنا العربية والإسلامية. ففي إسرائيل ترى الشباب منذ نشأتهم ونعومة أظافرهم، يتعلمون حمل السلاح وفنون القتال والقيادة كي يستعدوا لقيادة الدولة، أما في بلادنا فنرى أن من نجح في حياته العلمية ووصل إلى أعلى الدرجات العلمية، تتم محاربتهم حتى يهاجروا ويتركوا البلاد، بالإضافة إلى أنه ليس هناك أي مستقبل لهم يستوعب علمهم وطموحهم، فتتلقفهم دول الخارج وتهتم بهم، فتبدأ مسيرتهم ونجاحاتهم، وهناك الكثير من الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى، لقد قال العالم المصري أحمد زويل مقولته الشهيرة:

إن الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء،

هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح،

ونحن نحارب الناجح حتى يفشل.

هذا ما يحصل تمامًا، ترى شبابنا يفكر في لقمة عيشه وفي أساسيات الحياة البسيطة، فيتحول إلى كائن غير منتج وإلى مستهلك فقط مثله مثل ملايين من البشر الذين لا قيمة لهم، إنما هم فقط أعداد بالنسبة للعالم الخارجي ليس إلا. حتى لو كان الشاب غنيا ولديه مقومات الصمود والتطور، فلا يسعى إلى تطوير قدراته الذهنية كي يكون قدوةٍ في مجتمعه وينهض، فيصبح رقمًا أيضا لا قيمة له، هكذا يكون تم تربية جيلٍ غير نافعٍ وغير قابل لبناء حضارة إنسانية يكون لها أثرٌ في التاريخ، فهو أيضًا مستهلك آخر لمنتوجات العالم الرأسمالي ومتلق لأفكارهم اللبيرالية التي سوف تكون سهلة الاختراق لجيلٍ لم يكوّن أي حقل معرفي وأي ثقافةٍ، فنكون قد دخلنا في مرحلة الجمود الحضاري، ثم تتبعها مرحلة التقليد الأعمى للأفكار المُغلفة، وهذا ما حصل للأجيال الشابة خصوصًا المسلمة التي تم اختراقها بمنتجاتٍ مُغلفة فتشربوا أفكارا مشوهة دون أي مقاومةٍ ذهنية بسبب التصحر الحاصل في الثقافة والقراءة. وهذا ما حصل أثناء دخول نابليون مصر، فلقد ادعى أنه مسلم وسُمي أنذاك بأبي علي بونابرت، وتحليل هذه الحادثة يدل على التراجع المعرفي وعلى الجهل المنتشر بين الأوساط الشعبية فكانت نتيجته سقوط مصر بأيدي الفرنسيين.

 

لن تنهض أي أمةٍ دون أن ينهض شبابها، ونهضة الشباب تكون بزرع الأمل في نفوسهم واستيعابهم، نهضة الشباب تبدأ منذ الصغر بزرع القيم والمبادئ والحفاظ على القدوة مثل الأب والأم والأستاذ، فتدمير القدوة يؤدي إلى تساقط القيم والأخلاق والأمم، هذا ما يحتاجه شبابنا، يحتاج إلى الجدية والمثابرة وقراءة التاريخ كي يعرفوا أنه لا شيء مستحيل، ولكن تكمن الاستحالة عندما نستسلم لأهوائهم. عليهم أن يقاوموا البساطة التي تربوا عليها والأهواء وحب النفس التي تأمر بالكسل والخمول، عليهم محاربة الأمور التي تدمر الرجال، هكذا نستطيع أن نبدأ برحلة بناء الجيل الذي يقاوم الجمود الفكري والتقليد الأعمى.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة