حرب اللقاحات.. والناس يدفعون الثمن!

 

يقترب عدد الوفيات بفيروس كورونا حول العالم من 3 ملايين، فيما عدد الإصابات يقارب 130 مليونا، وهو مرشح للارتفاع مع بزوغ فجر كل يوم جديد، الأرقام كان يمكن أن تكون أقل من ذلك لو أن الآليات المتبعة في توزيع اللقاحات كانت أكثر عدلا وشفافية، وأقل خبثا من تلك المتبعة الآن.

حرب جديدة يعيشها العالم هي "حرب اللقاحات"، الشركات تسرّع إنتاج اللقاحات من أجل التسابق على جني الأرباح، فتحارب بعضها من خلال بث الشائعات والأخبار المضللة من أجل إخافة الناس حول العالم لعلها تكسب زبائن جددا بعد زيادة حجم الإنتاج.

بدورها، تنتقد منظمة الصحة العالمية "بطء حملات التلقيح" وتعتبرها "غير مقبولة"، خصوصا في الدول الغربية التي تصنف متحضرة تواجه "وضعا وبائيا يثير القلق".

 

اللقاح في نظر المنظمة هو خطوة كبيرة إلى الأمام في مكافحة العالم لهذه الجائحة، لكنها ترى أن القضاء على الفيروس لن يتحقق إلا إذا حدث ذلك في كل أنحاء العالم.

وتشير الإحصاءات إلى أن الدول الغنية -التي يمثل تعداد سكانها 16% من إجمالي سكان العالم- تحجز 60% من اللقاحات المتاحة في العالم، وتكشف المنظمة أن دولا متقدمة غنية عدة حجزت جرعات من اللقاحات تعادل ضعفي أو 3 أضعاف تعدادها السكاني، فيما لا تستطيع الدول النامية والفقيرة الحصول على اللقاحات.

المنظمة تعتبر أيضا أن "الوتيرة البطيئة للتلقيح تطيل أمد الوباء"، وأن عدد الإصابات -خصوصا في أوروبا- ارتفع في الأسابيع الخمسة الماضية فاضطرت بعض الدول إلى فرض تدابير صارمة بمناسبة عيد الفصح.

 

 

فرنسا في وضع متدهور مع وجود أكثر من 5 آلاف مريض في أقسام العناية، وألمانيا تعزز عمليات التدقيق حول حدودها البرية، كما أن إيطاليا مددت التدابير المعمول بها حتى نهاية الشهر الحالي (أبريل/نيسان)، هذا وعادت النمسا ومحيطها إلى إجراءات الحجر الكامل.

هذه الظاهرة خلفت شرخا بين دول العالم مثلما حصل بين الاتحاد الأوروبي وبين بريطانيا حول توزيع لقاح "أسترازينيكا" (AstraZeneca) الذي دارت حوله شائعات فخاف الناس منه ولجأت بعض الدول إلى الانتظار، لتحديد ما إذا كانت ستستمر في استخدامه في برنامج التطعيم، كما علقت العديد من الدول الأوروبية استخدامه بسبب المخاوف نفسها رغم تأكيدات وكالة الأدوية الأوروبية بأن المنتج آمن، لتبين أن نسبة هذه المخاطر ضئيلة جدا وتصيب في حالات نادرة من تخطوا الـ80 سنة وأكثر.

الأمر نفسه حصل مع اللقاح الروسي "سبوتنيك-في" (Sputnik-V) الذي بدأ يظهر فعالية عالية وبدأ القطاع الخاص يتهافت عليه في ظل أزمة اللقاحات الأخرى، إذ اتهمت فرنسا دولة روسيا باستخدام هذا اللقاح في الدعاية السياسية، لكنها عادت وتراجعت بعد استفحال أزمتها في الداخل.

هذا الأمر ظهر جليا من خلال النقاشات التي أجرتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول إمكانية التعاون في مجال اللقاح الروسي.

وبحسب الكرملين، فإن نقاش القادة الثلاثة تناول "عمليات تسليم محتملة وإنتاج مشترك" لهذا اللقاح في دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد المراجعة التي تجريها بشكل مستمر وكالة الأدوية الأوروبية للقاح "سبوتنيك-في"، ولا يبدو أن الوكالة ستتأخر في الموافقة عليه واعتباره "لقاحا آمنا".

وكان لقاح "سبوتنيك-في" الروسي أول لقاح يطور على مستوى العالم، كما استطاع أن يدخل الدول الصغيرة بسبب سياسة "التسعير المرنة" التي تتبعها موسكو، خصوصا في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة، بما فيها بعض دول الشرق الأوسط ومنطقة آسيا الوسطى وأفريقيا، وذلك بأسعار مخفضة، بل حتى وفرته مجانا في بعض الحالات الإنسانية.

وعلى عكس ما يحاول الإعلام الغربي المنافس الإيحاء فقد أثبت اللقاح الروسي أنه منافس جدي في سوق اللقاحات، وليست له تأثيرات جانبية، وأن جميع الحجج المضادة لممثلي شركات الأدوية الغربية كانت تهدف إلى الحد من قدرة "سبوتنيك-في" على المزاحمة في السوق العالمي، بل كانت تقوم بحملات ترويج مضادة لصالح لقاحاتها باهظة الثمن من أجل توسيع سوق المبيعات وزيادة الأرباح.

وفي وقت سابق خلال فبراير/شباط الفائت ذكرت مجلة "لانسيت" الطبية الشهيرة أن لقاح "سبوتنيك-في" -الذي اتُهمت روسيا بأنها لا تعتمد الشفافية بشأنه- آمن وفعال بنسبة 91.6%.

كما كشفت التحاليل الجديدة لبيانات 20 ألف مشارك في تجارب المرحلة الثالثة أن التلقيح بجرعتين وفر أكثر من 90% من الفعالية، كما أن اللقاح سُجّل في أكثر من 50 دولة حول العالم، وقد تلقى الجرعتين الأولى والثانية منه في روسيا ملايين المواطنين، وذلك خلال حملة تطعيم مجانية شاملة ينتظر أن تطال 60% من سكان روسيا.

اللافت أن التقييمات السلبية التي كانت تخرج في الولايات المتحدة ومن الدول الأوروبية حول فعالية لقاح "سبوتنيك-في" مطلقوها هم أشخاص مرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بمراكز البحوث الحكومية وبشركات الأدوية المنافسة، منهم على سبيل المثال الدكتور الأميركي الشهير سكوت غوتليب عضو مجلس إدارة شركة "فايزر" (Pfizer) الأميركية التي تتعاون مع الشركة الألمانية "بيونتك" (BioNTech) لإنتاج لقاح "فايزر" الشهير والباهظ الثمن.

كان غوتليب يحل ضيفا دائما على قناة "سي إن بي سي" (CNBC) الأميركية في الآونة الأخيرة، ليتحدث عن "الخطورة المفترضة" للقاح الروسي، وذلك من أجل حرف الأنظار عن نسبة فعاليته وأمانه.

 

لا شك أن هذه البروباغندا والبروباغندا المضادة مدت بعمر الأزمة، ولا يدفع ثمنها سوى الناس من صحتهم وأرواحهم حول العالم، فبدل أن تتكاتف الشركات ومعها الدول من أجل التسريع بعمليات تلقيح الناس تفعل العكس من أجل التربح ومن دون أي اعتبار لحقيقة بسيطة مفادها أن طول الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي لن يختارا دولة دون أخرى، وإنما سيغرق الجميع معا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة