الشعر في بلاد شنقيط

 

عَرفت المنطقة المسماة بالمغرب العربي هجرات تاريخية لجماعات وزمر من أبناء القبائل العربية الوافدين من عقر مضارب العرب الأوائل ومناخ خيامهم، وكان لذلك أثره الذي أسهم في تشكيل هوية باقية، كان من تمثّلاتها نشاط أدبي، إذ ظهرت كنائن موريتانيا (شنقيط) وقد حفلت ببعض ذخائره وتوطد ذلك المعطى بها معبّرا عن نفسه في تسمية من نوع تسميات هي مما درج عليه جانب من أسلوب التعريف بالدول عبر توصيفها بمليونيات تقتنص من المجتمعات بعض ما يبرز في تفاصيل حياتها فتحوّله إلى رقم تعريفي مثلما نقرؤه في اسم بلد المليون شهيد وتسمية بلاد المليون شاعر.

وإذا كانت بعض هذه التسميات وليدة مسيرة شاقة بدرب غير ممهّد بالزهور، فإن الشعر كان كذلك أيضا في ما يخص بلاد شنقيط، فلم تفتح جهات البلاد البوابة للشعر بترحيب أول ما كانت أصداء منه تنداح في جنبات صحراء تحاكي بيداء الجزيرة العربية وتعكس شبهًا واضحًا بها لمن يجيل الطرف في مرابعها وأنحائها المختلفة.

 

وقد تضمنت المعلومات الموضحة لعناء التجربة الشعرية، والصعوبات التي اعترضتها، ما يتعلق بموقف المجتمع الذي "عاقبت" قبيلة منه أحد أبنائها حين نبغ شاعرًا يرتاد مجازات القريض، حسب ما تنقله المصادر، وبعد ما تبلورت بدايات تحقيق الشرعية للقول الشعري في المجتمع وبناء المصالحة معه في اتجاه الترسيم كان هناك بُعد آخر لم يكن حليفا للحركة الأدبية، ويتمثل في عدم التوثيق وحفظ ما تجود به قرائح كتَبة القصيد، فضاع منسوب كبير من الإنتاجات في طيّات أمد لا يحدّه المحددون ولا يعدّه العادّون ويتمارون بشأن بداياته، كما يتضافر مع تعذّر التوثيق غياب فكرة تأليف التراجم في الاهتمامات الثقافية والمعرفية عموما بذلك الصقع، في أوليات نشوئه، وهنا يقول الدكتور جمال الحسن:

وأهم ما نعلم أنه دوّن في تراجم أهل شنقيط 3 كتب

كما تشير التعريفات البحثية أحيانا إلى غياب المعلومات المتعلقة بصاحب أبيات أو حكاية أدبية معينة.

وحتى إذا ما تم التوثيق والتأليف، فإنه رهين الذاكرة، فذلك ما وقع لأقدم مؤلف عن الحركة الشعرية في موريتانيا، وقد وصف العالم والأديب الشهير محب الدين الخطيب هذا السياق بقوله "نحن نعرف معرفة شخصية الأستاذ العلامة الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي رحمه الله وكان يحفظ الشعر الجاهلي كله، ويحفظ شعر أبي العلاء المعري كله، ولو رحنا نعدّ ما يحفظه لكان شيئا عظيما، وكتابه (الوسيط في تراجم علماء وأدباء شنقيط) كتبه من أوله إلى آخره من حفظه إجابة لاقتراح شيخنا الشيخ طاهر الجزائري، وفي هذا الكتاب أنساب أهل شنقيط رجالًا ونساء، وذكر قبائلهم، وما نظموه وما يؤثر عنهم من مؤلفات وأخبار، ولم يكن لذلك مرجع يرجع إليه قبل كتاب الوسيط".

 

وإذا كان هذا التدوين لم يمكّن من الوصول إلى ما يتعلق بالحقب الأولى والنصوص التأسيسية التي يفترض منطقيا أن تكون حلقة استهلالية في المسار التاريخي، فإن ذلك يشمل بظلاله مختلف آداب البقعة الشنقيطية عموما، فقد جاء في كتاب "الشعر والشعراء في بلاد موريتانيا" أن أقدم ما دوّن من أدب اللغة الصنهاجية التي تعد الأقدم في المنطقة لا يتجاوز في الحيز الزماني عتبة القرن التاسع الهجري.

ولعل فكرة الحلقة المفقودة هذه تحيلنا إلى التساؤلات القديمة لمدوّني الأدب الجاهلي حين لم يعثروا على البدايات التي لا يشي بها فقط واقع النصوص المكتملة بناء، وإنما تشير إليها كذلك مضامين المحتوى حين نقرأ ما أورده امرؤ القيس بقوله:

عوجا على الطلل المحيل لعلنا

نبكي الديار كما بكى ابن خذام

فلقد كان ابن خذام -في ما يبدو- نموذجا مثاليا لامرئ القيس، لكنّ ما يتعلق بهذه الشخصية من تفاصيل يبدو أنه قد ضاع في غياهب الأيام، وكذلك ربما اختفى على امتداد حقب منطقة شنقيط ما يتعلق بخَلَف لذلك السلف الأدبي.

أما العوائق والمناطق المظلمة من تاريخ مسيرة الأدب والشعر، فلم تمنع في النهاية من اكتمال مدارس ومناهج قاومت حتى بلغت بأمان شاطئ التدوين فرصدها الموثّقون وهي في أوج ازدهارها وقوّة سبكها.

 

وهنا تنزاح الستارة لنا فجأة عن مشهد حافل بالشعر في بلاد شنقيط في ما بعد القرن العاشر الهجري، ولا يكفي صدى النصوص التي كان يعجّ بها الفضاء، وإنما نقف على ما بلغته الذهنية الشعرية من تجذّر وأخذ بالألباب وترسخ بوجدان الأديب؛ فمحمد ولد الطلبة (1272هـ) قال بشأن قصيدة عارض بها الشماخ بن ضرار" أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصائدنا لنعلم أيها أحسن"، وهو ما يكشف جانبا من هذا البعد المتعلق بالسيطرة الأدبية في المجال الثقافي.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة