علاج "كورونا" وغيره بـ"مناعة القطيع" جريمة لا تغتفر!

 

للبعض وجهة نظر في علاج "كورونا" بما يعرف بـ"مناعة القطيع"، فما مناعة القطيع؟ وما حكم التعامل بهذا الأسلوب مع البشر؟ وما موقف الإسلام من هذه الآلية؟

 

المقصود بمناعة القطيع:

يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى أنه عند إصابة أكبر عدد ممكن من الناس بمرض معين، فإن معظمهم سيتماثلون للشفاء -رغم الوفيات الكبيرة المحتملة- ومن ثم ستكون لديهم مناعة ضد الفيروس، وهو الأمر الذي سيساعد على تحجيم المرض في النهاية.

 

 

من دعا إلى مناعة القطيع؟

في منتصف مارس/آذار الماضي ظهر مصطلح "مناعة القطيع" أو "المناعة بالعدوى"، وذلك بالتزامن مع دعوة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى اتباع هذه الإستراتيجية في مواجهة فيروس كورونا المستجد، لكن هذه الإستراتيجية سرعان ما انهارت وسط الانتشار الواسع للفيروس الذي أصاب جونسون نفسه.

 

مضارّ هذه الفكرة وموقف منظمة الصحة العالمية:

والمشكلة في هذه الفكرة أنها غير مأمونة العواقب، لأن هذا الأمر يتطلب انتشار المرض لدى نسبة مئوية معينة من السكان، وسيكون الناس بين مصاب ومريض. وقد نقلت صحيفة "الغارديان" (Guardian) عن مسؤول في خدمة الصحة الوطنية البريطانية أنه بمعدل للإصابة بالمرض يبلغ 80% ستبلغ نسبة الوفيات أكثر من نصف مليون شخص (في بريطانيا)، وهذا يختلف من مرض إلى آخر.

 

لكن المصيبة الكبرى أن من يتعرض للموت في الغالب سيكون من:

1- كبار السن.

2- أصحاب الأمراض المزمنة.

3- ضعاف المناعة.

وفي السويد مع بداية انتشار المرض تركت السلطات للناس الحرية في تعاملهم دون اتخاذ أي إجراءات حاسمة فانتشر المرض، وحدث أن مات 3 آلاف كان نصفهم من كبار السن، وهذا يعني أن الحياة ستكون للأصح، و(البقاء سيكون للأصلح)، وربما الأغنى.. ونظرة الإسلام إلى المرضى متساوية، وواجب على الطبيب أن يتعامل مع المرضى باعتبار عللهم لا باعتبار دينهم أو عرقهم أو لونهم أو جنسهم، وإن كان من وسيلة للتقديم فيكون للأحوج إلى العلاج، والأمسّ حاجة، فإن وجد مريضان أحدهما مكسور الإصبع والآخر مكسور اليد، ولا بد من إسعاف أحدهما أولا؛ فيقدم مكسور اليد على مكسور الإصبع.

وقد وقفت منظمة الصحة العالمية أمام هذا التوجه، وجرّمته علميا وأخلاقيا. وهو موقف يحسب لها.

 

رأي الشرع في ما يسمى بـ(مناعة القطيع)

أما رأي الشرع فأستطيع القول إن الحرمة هي قول الشرع، وذلك لأن هذه الطريقة تخالف الشرع في أمور عدة:

 

ترك الدواء وقد شرعه الإسلام

لقد شرع الإسلام العلاج والتداوي، وهو بين الوجوب والندب، ولا شك أن ترك العلاج إذا كان مسببًا لموت الآخر فهو حرام، والله تعالى يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وروى أحمد عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ، خَلَقَ الدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا" (وقال محققو المسند: صحيح لغيره).

 

مخالفة الحجر والعزل الصحي وقد دعا إليهما الإسلام

والحق أن تعاليم الإسلام لم تكن غائبة عما تعارف الناس عليه الآن من سبل الوقاية؛ كالعزل والحجر الصحيين، والفرق بينهما أن العزل أشد صرامة لأن الحامل للمرض يُعزل تماما عن الناس، وفيه يبقى هؤلاء المرضى منفصلين في داخل مكان أو مؤسسة خاصة بالرعاية، ويفضل أن يكون كل فرد في غرفة منفصلة، أما الحجر الصحي فهو عبارة عن إجراء يخضع له من تعرضوا لمرض من الأمراض المعدية سواء أصيبوا بالمرض أم لم يصابوا به، وقد يكون الحجر في منازلهم أو في أماكن مخصصة.

وعلى الرغم من أنه لم يكن أحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على دراية دقيقة بالطرق التي تنتقل بها العدوى، كما لم يكن في علم أحد أن الإنسان قد يكون حاملا لفيروس دون أن يعلم؛ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ما عرف في ما بعد بالعزل الصحي والحجر الصحي، وهذا إعجاز نبوي واضح.

أما العزل الصحي فيفهم مما رواه الشيخان عن أَبي هريرة قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". وأما الحجر الصحي فيفهم مما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -أي الطاعون- بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". وعند البخاري:"لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ".

بل عدّ الإسلام الخروج من أرض الوباء إلى غيرها أمرا محرّما، روى أحمد عن جابر بن عبد الله الْأنصاري، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ، كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ، كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ"، (قال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم). والخروج المنهي عنه ما كان فرارا، أما إذا كان الخروج لحاجة كعلاج لا ضرر فيه لأحد فلا بأس، قال المناوي: لكن محل النهي حيث قصد الفرار منه محضا بخلاف ما لو عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها. (فيض القدير) (4/ 461).

 

إهمال مقصد حفظ النفس

ولا يخفى على دارس للشريعة أن شريعة الله سبحانه وتعالى جعلت من أهم مقاصدها حفظ النفس، وهذا المقصد يأتي بعد مقصد حفظ الدين، وقد قال ربنا سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وقال جلّ شأنه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، ولا شك أن في العمل على إيجاد أو تفعيل ما يعرف بـ(مناعة القطيع) ما ينافي هذا المقصد، ومن ثمّ فإن كل عمل لا يحقق حفظ النفس لا بد من أن نمنع وقوعه، وقد رأينا القرآن يحفظ لعمار بن ياسر -ومن وقع في مثل ما وقع فيه- نفسه حتى وإن قال كلمة الكفر، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، روى أبو نعيم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَا وَرَاءَكَ؟" قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟" قَالَ: أَجِدُ قَلْبِي مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ: "فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) (1/ 140).

 

ظهور الأنانية المقيتة ونكران الفضل لذوي الفضل من كبار السنّ

نعم؛ إنها الأنانية التي تجعل شعار القوم (البقاء للأصلح) وكأننا نجمع على الضعفاء من كبار السن والمرضى وغيرهم  مع مرّ الحياة مرّ الإهمال، ونسينا أن الرحمة لا تنزع من مجتمع إلا هلك، روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ"، (وقال محققو المسند: صحيح لغيره)، وروى أبو داود عن أبي موسى الأشعري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ"، (حسنه الألباني)، ورى ابن حبان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ"، (صححه الألباني)، وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا"، (قال محققو المسند: حديث صحيح).

 

الاستهانة بالضعفاء وهم ركيزة أساسية في المجتمع

ومن أكبر ما يترتب على هذه الفكرة العقيمة أنها تسعى إلى التخلص من الضعفاء سواء كانوا كبارا أم مرضى أو ضعاف مناعة، وهذه نظرة مقيتة يرفضها الإسلام، لأنه يرى الضعفاء بركة في داخل المجتمع، فما الرزق والنصر والبركة إلا بسبب هؤلاء، ومن روائع ما جاءت به الشريعة في الاهتمام بالمريض والكبير والضعيف أذكر ما يأتي:

1- روى مسلم عن جابر، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ".

2- روى أحمد عن سعد بن مالك، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، أَيَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ، وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ". (قال محققو المسند: إسناده حسن).

3- روى النسائي عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ". (صححه الألباني).

4- روى أبو داود عن أبي الدرداء، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ"، (صححه الألباني).

 

تلك هي نظرة الشريعة الغرّاء إلى هؤلاء الذين يريد أصحاب ما يسمى بـ(مناعة القطيع) أن يقضوا عليهم ليبقى الأقوى والأصح والأكثر مناعة، أما الضعفاء من الكبار والمرضى وضعيفي المناعة فهم في نظر هؤلاء السماسرة التجار لا حق لهم في الحياة، وإنما مصيرهم الموت وليكن ذلك تضحية من أجل الأقوياء الأصحاء، وتلك والله كما قال ربنا: {قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 22].

 

والخلاصة: أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال ممارسة هذه الطريقة (مناعة القطيع) في علاج هذه الأوبئة وذلك للآتي:

  • رفضها من ذوي التخصص من الأطباء.
  • ما فيها من أنانية مقيتة.
  • نكران الجميل لكبار السن الذين قدموا للمجتمع في شبابهم الكثير والكثير.
  • القسوة على الضعفاء الذين يعانون مرّ الحياة، ثم يأتي الأنانيون ليرجموهم بهذه الأوبئة.
  • منافاتها للروح الإنسانية التي جاءت بها الشرائع وفي مقدمتها الإسلام.
  • مخالفتها لما جاء به الإسلام من مشروعية الدواء ووجوبه إذا لزم الأمر.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة