أمثال العرب 2.. أمثال المتدينين مرآة تدينهم لا دينهم

 

لأنه لا ظاهرة أكثر اشتباكا بحياة الإنسان ومصيره من الدين، فلا غرو أن يشتبك المثل معه حسب تنوع تفكير الناس، فبينما يساعد الدين الناس على التفكير، يتأثر التدين بنوع التفكير السائد، فتفاعل الدين والمتدينين به مع الحياة العامة متنوع حسب الديانة وتشريعاتها والحياة وتعقيداتها والمتدين وقوة إيمانه وضعفه، وطريقة تمثله وتعبيره عن هذا التدين.

وبإزاء فعل الإنسان وسلطته وقوته اعتبر المسلم العربي أن صنع الله هو الغالب على صنع الإنسان، فإذا جاء ما أراده الله بطل ما فعله الإنسان، لذا قال المولدون -العامة من أهل المدن ممن اختلطوا عربا وعجما-: "إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"، وفي رواية أخرى "نهر عيسى"، ونهر الله كناية عن الأمطار والسيول، ونهر معقل حفره الصحابي معقل بن يسار زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في الكوفة، فتحور لنهر عيسى مع جريان هذا النهر قرب قصر عيسى بن علي العباسي.

وفي موازاة من تكبروا فتجاوزوا طورهم، لأنهم بلا أصول تضبطهم حين الطيران في آفاق الحياة من مناصب وأموال، وكان العامة يدركون أن قوانين الكون لا تسمح للنملة بالطيران فلو صار لها جناحان فكيف ببقية أعضاء الجسم؟ فقالوا واصفين حال المترقي فجأة: المولدون يزمون شفاههم ويقولون: "إذا أراد الله هلاك النملة أنبت لها جناحين".

ولهم أمثال ظاهرها السخط على المقدور والرزق المحدود، وباطنها تعزية للنفس، فقال المولدون والعامة "الكافر مرزوق" وقالوا "الكافر موقى والمؤمن ملقى"، وقد سرى المثل للعراقيين اليوم فقالوا: "المؤمن مبتلى" وللسودانيين فقالو: "المؤمن مصاب البلا"، والحقيقة أن معنى المثل أن المؤمن يتلقى البلاء فيكفر ذنوبه ويرفع درجاته والكافر يوقى منه في الدنيا نظير صالح أعماله حتى يرد الآخرة بلا عمل صالح.

وقريب من ذلك المثل الدارج عند المصريين والشوام "يعطي الحلاوة للي بلا اسنان"، وفي رواية مصرية: "يدي الحلق للي بلا ودان"، وظاهره اعتراض على المقدور، وأصله لا دخل له بكل ذلك، فقد قاله موسى بن كعب متحسرا على ما فاته من حلواء الدنيا، فقد كان من نقباء الدعوة العباسية السرية في خراسان، فاعتقله نصر بن سيار الوالي فعذبه، فتحطمت أسنانه، ولم يعترف بشيء، فأطلق سراحه، فلما قامت الدولة، تولى مصر، فقدمت الحلويات له، فقال: "أتتنا الحلاوة لما صرنا بلا أسنان".

وفي المقابل، كانوا يعزون أنفسهم بالصبر على المصائب، قائلين: "بين البلايا والبلايا عواف" وأصلها مقولة للحسن البصري في زمن عمر بن عبد العزيز، فقد تحدث عن سوء الزمان وأنه يزداد سوءا، فسألوه عن خلافة ابن عبد العزيز، فأجاب "لا بد للناس من تنفيس".

وكان المولدون يمسكون عن الكلام، فيقولون "إذا ذكر القضاء فأمسك"، وهو موقف سني عقدي معروف في ترك الحديث عن القضاء والقدر، وربما كان تعبيرا عن هوية مجتمعية رافضة للخوض في القضية مناكفة للمعتزلة الذين لهم باع طويل في هذا الموضوع، وتلقوا دعم السلطة، في حين انحاز العامة للتيار السني الحنبلي، ومما يعضد هذا قول العامة في الثابت على حال واحدة: "كإيمان المرجيء لا يزيد ولا ينقص" والمرجئة يقولون بثبات الإيمان بلا زيادة ولا نقصان بغض النظر عن الطاعة والعصيان خلافا لأهل السنة.

وقد نحت العامة من القرآن والحديث أمثالا لمواقف متنوعة فقالوا: "ما على الرسول إلا البلاغ"، و"لا يحيق المكر السيء إلا بأهله"، و"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، و: "الهوى إله معبود"، كما حذروا من التعصب فقالوا: "الحمية جاهلية" وقالوا "كل حزب بما لديهم فرحون" وإن كان العامة خالفوا المثلين، واقتتلوا عصبية وحمية.

واقتبسوا من الأحاديث أمثالا أخلاقية، فقالوا: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" و"من لا يشكر الله لا يشكر الناس"، كما قالوا: "من يزرع الشوك لا يحصد به العنبا"، وحذروا من عدم الحياء فقالوا: "إن لم تستح فاصنع ما شئت".

وفي موازاة السلطة، كان دعاء المظلومين  مجانيق الضعفاء، فقالوا: "اتق مجانيق الضعفاء"، وأصله يرجع لمطلع القرن الثالث الهجري لما نزل الأتراك زمن المعتصم بغداد، فكانوا يركضون بخيلهم في السكك فآذوا الناس، فطالب البغداديون المعتصم بإخلاء بغداد فتلكأ، فحسموا الجدال بالقول: "اعتزلنا وإلا قاتلناك" فتعجب : "تقاتلونني؟" فقالوا" نعم بسهام الأسحار"، فقال "وما سهام الأسحار"، فقالوا: "الدعاء"، وبنى سامراء خوفا من الدعاء..

وبسبب شيوع التنجيم بينهم، وضعف الإيمان وكثرة القول بالحظ والمصادفة، قالوا فيمن يصيبه السعد بغتة "انتبه له الفلك"، وهو مثل قبيح بالمقياس الديني، ويعبر عن سخط خفي، على الأقدار.

..

ولنا مع أمثال العامة قديما حديث جديد..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة