هبة القدس.. وجدلية صواريخ غزة!

 

ما زالت الأحداث في القدس تتصدر المشهد الفلسطيني والعربي، وتفرض إيقاعها بقوة على الأرض ميدانيا وسياسيا وإعلاميا، فقد تصاعدت الاعتداءات الصهيونية بحق المسجد الأقصى منذ بداية شهر رمضان المبارك، ابتداء بإقدام قوات الاحتلال على قطع أسلاك الكهرباء عن مآذن المسجد الأقصى، مرورا بالاقتحامات شبه اليومية لساحاته وباحاته المقدسة؛ وليس انتهاء بمحاولة فرض واقع تهويدي جديد في منطقة باب العامود (باب دمشق)، في محاولة صهيونية لانتزاعه من المسلمين، وفرض السيطرة اليهودية عليه أسوة بباب المغاربة، ولاحقا قد يكون الهدف باب الرحمة وغيره من أبواب المسجد الأقصى.

 

اندلعت شرارة المواجهات هذه المرة من باب العامود أحد أهم الأبواب التي يتجمع عندها المسلمون للاحتفال بمناسباتهم الدينية المختلفة، فقد عمدت قوات الاحتلال إلى استفزاز المقدسيين في منطقة باب العامود عبر الاعتداء عليهم بالضرب والاعتقال؛ إمعانا بالتضييق والتنغيص عليهم بشكل مدروس وممنهج، حتى يملوا من الرباط والتجمّع في هذا المكان وتتناقص أعدادهم تدريجيا، ما يفتح المجال للمغتصبين الصهاينة بالسيطرة عليه لاحقا، الذين نجحوا بالفعل أمس بإقامة رقصات وطقوس تلمودية تحت دعم وحماية شرطة الاحتلال.

 

 

دخلت غزة وفصائلها المسلحة على خط المواجهة مبكرا، وأطلقت الفصائل عددا من الرشقات الصاروخية على مغتصبات الغلاف ردا على الاعتداءات الصهيونية، ليستمر الاحتلال بالتمادي في عدوانه ويقصف قطاع غزة بعدد من الصواريخ، وترد المقاومة بالمثل، في مشهد متكرر ومستنسخ عن تصعيدات سابقة بات المواطن الفلسطيني يحفظ سقفها ونتيجتها عن ظهر قلب؛ لذلك يجدر بغزة في هذا الوقت بالتحديد أن تتحرك جماهيريا بشكل متصاعد ومدروس، عبر الدعوة للخروج بمظاهرات شعبية في مختلف المناطق دعما لحراك القدس، وأن تؤخر المواجهة العسكرية لوقت لاحق ريثما يتصاعد الحراك، ويشتد عوده، ويأخذ فرصته الكاملة.

 

وعلى صعيد آخر نجد أنه من المهم العمل على تحريك المياه الراكدة في الضفة المحتلة، والتي تعد الخاصرة الأضعف للكيان الصهيوني، والساحة الأكثر تأثيرا وعمقا في مجرى الصراع مع هذا المحتل الغاصب، عبر استغلال هامش الحرية الذي سمحت به السلطة لممارسة العمل السياسي بالضفة في إطار التحضير لإجراء الانتخابات أواخر شهر مايو/أيار المقبل، والدعوة إلى دعم هبة القدس بوقفات احتجاجية ومظاهرات شعبية تتوجه إلى نقاط التماس للاشتباك مع قوات الاحتلال، وبالفعل بدأت جموع الفلسطينيين بالتحرك في رام الله وطولكرم وبيت لحم وقلقيلية، وقد صدرت دعوات جديدة لمظاهرات في نابلس وجنين والخليل وغيرها من مدن الضفة.

التحرك الشعبي في غزة والضفة والداخل المحتل يجب أن يكون داعما ومآزرا لانتفاضة أهل القدس، والتي من المتوقع أن تستمر وتتعاظم حتى الوصول إلى يوم 28 رمضان، الذي يوافق ما يسميه المغتصبون الصهاينة (يوم القدس العبري) حيثُ تتوعد فيه الجماعات المتطرفة -وكلهم متطرفون- بأضخم وأكبر اقتحام وتدنيس للمسجد الأقصى لإقامة صلوات تلمودية وأغانٍ يهودية داخل المسجد في هذا اليوم إمعانا في سعيهم لتهويد القدس وسلخها عن جذورها العربية والإسلامية.

 

 

هذه الهبة المقدسية بالتحديد يجب أن يتم استثمارها بالطريقة الأمثل في ظل انسداد الأفق السياسي فلسطينيا، وتسارع عمليات التهويد والاقتحامات وبيع وتسريب العقارات، خصوصا أن هذا الوقت يشعر فيه الفلسطينيون باليأس من جدوى الأنشطة السياسية والدبلوماسية، التي لم تقدّم أو تؤخر في مشوارهم النضالي، ولم تقدم حلولا لأزماتهم ومعاناتهم التي تزداد عمقا يوما بعد يوم بسبب الاحتلال، لذلك فلتكن هبة القدس عاملا محرضا للجماهير الفلسطينية في كل الساحات للتحرك بشكل جماعي لدفع عجلة المقاومة شعبيا ثم عسكريا، كي تعود لقضية فلسطين حيويتها وحضورها في المشهد الإقليمي والدولي، والأهم من ذلك كله؛ ليفهم العدو أن القدس خطٌ أحمر، وأن الاعتداء على الأقصى يعني أن الانفجار قادم لا محالة.

ما سبق لا يعني أن نراهن في كل مرة على حراك الضفة أو ننتظر حراك القدس، ونقف مكتوفي الأيدي أمام غطرسة العدو وعنجهيته، فسيف غزة وقبضتها الحديدية ويدها الطولى يجب أن تكون حاضرة عند كل محاولة للاحتلال يسعى فيها لتدنيس المسجد الأقصى وفرض واقع جديد فيه، أو عند تصاعد اعتداءاته على أهلنا في الضفة وغزة والسجون؛ ليعلم العدو بأن حمم غزة وغضبها سينزل عليه كالصاعقة حين يتعلق الأمر بالقدس، التي هي جوهر الصراع وبوصلته، فنحن شعبٌ يقع تحت الاحتلال، والأصل في علاقتنا مع المحتل هو الاشتباك، والاستثناء هو التهدئة.

لكن هذه المرة بالتحديد وقد هبت الجماهير في القدس وفرضت نفسها بقوة محليا وإقليميا، فيجدر بنا العمل على تحريك الساحات الأخرى في الضفة والداخل المحتل دعما وإسنادا لهبة القدس قبل تدخّل المقاومة في غزة، وذلك لتوفير الظروف وتهيئة البيئة المناسبة لتوسيع الحراك الوطني بشكل جماعي كهدف إستراتيجي تسعى قيادة المقاومة لتحقيقه منذ سنوات، لذلك يجب أن نعطي هبة القدس الفرصة لتتعاظم وتقوى ويشتد عودها وتنتقل إلى ساحات أخرى، لأن اشتعال جبهة غزة يعني تراجع جبهتي القدس والضفة وصولا إلى الانطفاء، فالتجربة أثبتت مرارا أن الحِراكات تتوقف عند دخول غزة لخط المواجهة، فالكل يجلس وينتظر ما ستفعله غزة.

 

وخلاصة القول، إن سلاح غزة ليس لغزة وحدها؛ بل هو لفلسطين والقدس والضفة، ولا شك أن غزة بأبطالها ومجاهديها وصواريخها ستكون حيث يجب أن تكون، فالقدس كغزة، وتل الزهور كرفح، والجليل كالخليل، لا نفرق بين شبر وشبرٍ من الوطن، وصواريخ غزة يجب أن تتناغم مع الواقع في القدس ولا يجب بحال من الأحوال أن تكون منفصلة عنه؛ لكن وفق تقديرات دقيقة، وبناءً على معطيات موضوعية على الأرض، بما يحقق أهدافنا الإستراتيجية بأقل الأثمان والتكلفة البشرية والمادية، على قاعدة الاقتصاد في القوة والاستثمار الأمثل لها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة