عقد على الربيع العربي.. الحالمون يعودون

 

سمحت انقسامات ثوار 25 يناير/كانون الثاني 2011 حول "طريقة الحكم" بعد الثورة باستغلال "الدولة العميقة" الثغرات القانونية والفوضى الدستورية لاستثارة الشعب ضد ما سمي بحكم الإخوان، وانبرى لذلك شخصيات كانت تنظر إلى ثورة يناير بوصفه تهديدا لمصالحها. اتهمت قيادات الثورة الإخوان بالسّعي لأسلمة الدولة واختطاف مؤسساتها. ومما زاد المخاوف بشأن الحالة الديمقراطية التي عاشتها مصر يومها، إعلان الرئيس الراحل محمد مرسي الحرب على نظام الأسد، فاسحا المجال للجهاديين بالتوجه إلى سوريا، ومثلما تجاوز "الربيع العربي" حدود القوميات/الأيديولوجيات التي استحدثها الاستعمار، بحثا عن الحرية والكرامة لمختلف مكونات الأمة، فإنّه أصبح من الصّعب تجاوز الارتباط الوظيفي لكيانات ترى في الدولة ومؤسساتها عائقا لتحقيق حاكمية مطلقة تسود الشعب، لتنتهي التجربة الديمقراطية بانقلاب قادته المخابرات باسم استعادة الشّرعية واستجابةً لمطالب القوى الثورية المناهضة لحكم الإخوان.

تغيير الدّفة.. سِلْميَتُنا أقوَى من الرصاص

بعد إطاحة الجيش بالشرعية في يوليو/تموز 2013 استعادت الميادين زخم احتجاجاتها المناهضة لحكم العسكر، وصرخت الجماهيـر بـ"سلميتنا أقوى من الرصاص" لتحييد الجيش عن استخدام القوة ضد المتظاهرين، وبدأت السّاحات تتلون بشعارات دينية للجماعة بعد تنصّل القوى الليبرالية واليسارية وتبريرها للانقلاب، رافضة الطابع الاجتماعي للاعتصامات ومتهمة الإخوان باحتلال ميدان رابعة وتأزيم الوضع لخلق الفوضى في البلاد. ازداد الاحتقان السياسي والأمني وسقط ضحايا من المعتصمين، وكانت طلائع الأيام بعد مقتل مصريين برصاص مندسين تنذر بانفجار الوضع، قد يؤدي بالبلاد إلى الهاوية.

تصاعد خطاب التخوين ضد المعتصمين برابعة، واعتبروا خارجين عن الحاكم من طرف دعاة جماعة المدخلية المنشقة عن التيار السّلفي، وباتت دعوات استخدام القوة لفض الاعتصام ضرورة لحسم مسألة استمرارية الاعتصام، لتمتلئ السّجون بقيادة الإخوان، ويسقط قتلى كثيرون في واقعة رسخت قابلية الجهات الأمنية لاستخدام "القوة المميتة" ضد العزّل، ومع تمسّك الإخوان بالسّلمية كعنصر للمواجهة الفاعلة بتحريك الشّعب والمراهنة عليه لرفض حكم العسكر، فإن ذلك لم يكن كافيا في مواجهة الحل الأمني لاستمالة القوى الثورية لفكّ ارتباطها مع الانقلاب بعد ممارسته العنف ضد المتظاهرين.

فشلت محاولة الإخوان للحفاظ على استمرارية الثورة، لكنهم نجحوا في التمسّك بسلميتها للإبقاء على مكتسباتها، ومنذ عزل الشّرعية بدأت الدولة العميقة إعادة ترتيب "الفوضى" التي سببتها الثورة لضمان ديمومة نظامها، وسيق مؤيدو الانقلاب نحو الزنازين شاهدين على أنفسهم بالجُرم الذي اقترفوه في حق تجربة فتية للديمقراطية، طلب منها أن تواجه فساد أكثر من 30 عاما.

 

نفق التغيير الجذري!

بعد عقد على الربيع العربي يجدر بنا أن نطرح سؤالا حول إمكانية الخروج من نفق التغيير الذي لا يبشر في نهايته بحل أزمات المنطقة، وهل كان خروج ملايين النّاس للمطالبة بالحرية والعدالة، أم أنّ العيش الكريم ما بقي منه سوى الدمار الذي اجتاح حاضرها وطمس ماضيها وهو اليوم يهدد مستقبلها؟ ربما علينا إعادة جرد حساباتنا نحو ماهية الثورة/الحراك، وفكرة التغيير الكلي والشمولي للوضع القائم، ليس انتقاصا ممن أراد التحرر من سطوة الأنظمة المستبدة، أو استسلاما لخيبات مشاريع التخريب والتدمير، بل كبداية لتصحيح مسار الثورة باعتباره ليس صراعا على السّلطة، بل من أجل تحرير الإنسان.

في الجزائر والسّودان سارعت قيادة الجيشين لإزاحة رأسي النظام، وقدمت الفاسدين إلى القضاء، في خطوة تزيح الدعوة لإسقاط الدولة، عبر محاكم تضاربت بشأنها التحليلات حول إمكانية إنفاذ العدالة على المتسببين في تدهور الحياة الاجتماعية، إلا أنّ النظامين ذاتيهما واجها من داخل بنيتهما إعادة ترتيب المنظومة المتنفذة داخل جهازي المخابرات والجيش، وبدأت عملية تولية القيادات على النواحي العسكرية ترسم إستراتيجية الدفع نحو استمرارية الوضع الأمني المتحكم به، وفي خضم الصراع السلطوي الدائر بين تركيبتي النظام والتي أوهمت الكثيرين بمقدرتهم على تغيير الدفة من السلمية إلى العسكرة، أفرزت عملية إعادة إنتاج النظام لمقوماته وبنيته المستجدة بلوغ المظاهرات ذروة سلميتها تحت حماية قوى الشرطة، وقد جسدت التعيينات الجديدة صراعا قائما منذ سنوات بين الوطنيين داخل النظام من جهة، وبين من يرى أحقيته المطلقة في رفض أيّ انتقال ديمقراطي من جهة أخرى.

لم تسمح قيادتا الجيشين لعملية التظاهر أن تتحول إلى اعتصامات بميادين مختلفة في البلدين، لما يترتب عنها من تحديات أمنية كانت الدولتان في غنى عنها، وفي يونيو/حزيران 2019 سقط ضحايا من المعتصمين قرب مقر الجيش في الخرطوم، ودعا "تجمع المهنيين" إلى العصيان المدني ورفض أوامر ما أطلق عليها "مليشيات المجلس العسكري"، للضغط على النظام تسليم السلطة له. تشابكت الخيارات السلمية المرفقة بإجراءات المجلس العسكري لفرض حالة الطوارئ ومنع التجوال، مع انتظار تجمع المهنيين أخبار تنبئ بحدوث انشقاقات داخل النظام تسمح بتفككه وإضعافه، إلا أنّ انتقال السلطة إلى "البرهان" بعد تنازل القيادة العسكرية المنقلبة على البشير، سمح بتحييد مؤسسة الجيش السوداني عن اشتراطات المعارضة في إسقاط النظام، وبدت مطالب تجمع المهنيين في قلب النظام كليا غير ممكنة تحقق مع الوضع الأمني الخطير الذي يمر به السودان محليا ودوليا.

الجزائر لم تكن استثناء في ظرف تصدرت فيه قيادة الجيش مشهد التغيير، كانت عملية فرز السّلطة عن مؤسسات الدولة معقدة جدا، بدءا من رئاسة الدولة ووصولا إلى أدنى مسؤول في الجهاز الإداري والتشريعي للدولة، فلأكثر من 30 عاما مرّت الجزائر بمراحل وأزمات جعلت من الإدارة جهازا معقدا لا يخدم مصلحة الشعب ولا الدولة، وكان السبب في تعزيز المنظومة المتفشّية من الفساد المنتشر والبيروقراطية الرديئة هو صرف السّلطة رغبتها في تحديث الإدارة ومراقبتها، اللتين بإمكانهما خلق فاعلية مستدامة، يمارس الأفراد والمؤسسات بموجبها دورهم الإيجابي للحصول على مردودية كافية لتحصين الدولة من الأزمات الاقتصادية الاجتماعية، ومما صعّب عملية التحديث، التي كانت بعض بوادرها توأد في مهدها، ازدياد الفجوة بين السّلطة والشعب بسبب تدفق المال السياسي وتمييع المبادرات الجدية، وانبرى لذلك ساسة ورجال أعمال متنفذون في دوائر مؤسسات الدولة مع ترسانة قوانين وتشريعات استثنائية، الغرض منها حماية الاستغلال وهدم مقومات الوطنية وتسفيه طموحات الشعب، لتتوارى الدولة خلف صورة العجز والهوان والانتهازية.

حينما ندرك أنّ الشعوب التي حركتها الرغبة في التحرر والانعتاق من سلطة لا تمارس القمع المادي عليها فحسب، بل إنّها سلبت من مواطنيها الحياة بتفاصيلها المملة وتنوعها السياسي والاجتماعي، فإننا نعي حجم الانتكاسات التي منيت بها الشعوب العربية في ظل حروب أهلية أعادت صياغة مطلب الحرية كونه ضرورة للتخلي عن الشرعية واعتراف الخصوم بخسارة الجميع في حروب زائفة، عقدت من معادلة التغيير السياسي والاجتماعي. الحياة البسيطة التي من حق كل إنسان أن ينعم بها في ظل جغرافية غنية بثروات لا تنضب، حملت شعوبها لواء الحرية والكرامة في انتفاضات لم تتناس كذلك الاحتياجات الأساسية التي ترسم لها واقعا كريما وعيشا رغدا، لقد خرجوا يطلبون حقهم في الرفاهية والثروة، كانوا يصرخون بشعارات من مآسيهم اليومية لا تشبه تلك التي يرددها الحالمون، ومثلما الحرية شرط وجودي يحفظ القيم المشتركة والجوهر الإنساني، فإنّ الشعور بها لا يستحق عناء الصراخ في الميادين والشوارع ما دام النظام يملك الحل في تحقيق شرط الحرية متى شاء.

ومع كل مسيرة تتجدد كانت وتيرة المفاوضات سارية مع قوى وأحزاب حافظت على استمرارية النظام لمدة طويلة، بل منحته الطابع الديمقراطي في عمليات زائفة لانتخابات تحوم حولها العديد من التجاوزات، كانت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والطلابية بعيدة عن دورها المنوط بمجابهة السيادة المطلقة للسلطة باسم الشرعية الثورية، وما قامت به البرجوازية المافياوية من تفشٍ للأحزاب السياسية والنقابات تعمل على خدمة النظام، لم يزد الوضع إلا فراغا سياسيا رهيبا تجلّت تداعياته حينما نظر المنتفضون إلى من له المقدرة على تمثيل الحراك، الأحزاب والنقابات العمالية كانت جماعات مالية انتهازية ليس بمقدورها تحريك ملفات اجتماعية عالقة، وقد لعب النظام على توظيفها لتفكيك بنية الحراك وإفراغه من طابعه العفوي والشعبي.

وفي ظل فقدان الحراك ممثلين له وتمسكه بالعفوية والشعبية، فإنه يمنح السلطة الحلول التي تفضي إلى تخلي المنتفضين عنه، وحصره في زاوية الشعبوية إن طال أمد المسيرات من دون تحويل مسار التغيير نحو الهيكل الذي يمسك بعصب الدولة، كما أنه يتوجب علينا أن ندرك أن بنية الحراك مرتبطة بشكل ما ببنية النظام القائم، عبر جهاز الإدارة الذي يمنح كل فرد من الفاعلين الثورين وسيلة للتغير الداخلي، فالحراكي بوسعه التنفيس عن مظالمه عبر المسيرات في الشوارع، إلا أنه يظل يفتقد الرغبة الحقيقة حالما يعود إلى المنصب الذي يشغله، والمظاهرات وحدها لا تكفي لإسقاط الفساد والظلم بقدر ما تطيل عمر النظام وتمنحه الأهلية لإعادة صياغة وإنتاج نفسه.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة