نبش الذاكرة.. رمضان تفاصيل وأهازيج

 

كان يمكن لحياتي أن تستمر اعتيادية، وألا أكتب على هذا الموقع لولا وجودي في قطر منذ طفولتي، وهنا أستطيع القول إنني أدركت رمضان جيل الطيبين في السودان وفي قطر في آن معا.

يمكن وصف الرمضانين ببساطة بالروحانية والاجتماعية في آن معا، ويمكن الحديث عن البساطة والحنين إليها، ولكن ملامح الأشياء تتفاوت لحد ما، فبركة رمضان وتبادل الأطباق وكثرة الزيارات والولائم في عصر ما قبل كورونا طقس رمضاني أساسي.

أتذكر جيدا منظر جدتي أطال الله عمرها، وجارتنا البصيرة -الطبيبة الشعبية- الحاجة فاطمة وهما تعملان على الحلو مر وتفردانه، وبطبيعة الحال، لم يكن مفهوما بالنسبة لي ما الحكاية؟ لكن على أي حال كانتا تتحدثان، ولكنهما منهمكتان للغاية، اليوم أفهم أهميته، ونحن نتسلم الحلو مر، ونشربه ونتذكر..

أتذكر يوما مشمسا بعيدا أيضا خرجت فيه مع الأولاد، كان يوم الحارة، ودخلنا أحد المنازل، وأكلنا الثريد، اختفت قطع لحمه بسرعة، بينما كانت سيدة المنزل تراقبنا، أعطتنا العصير بعد ذلك، وخرجنا باحثين عن منزل آخر..

على أي حال لا يزال عشاء الميتين طقسا ثابتا في منزلنا، يتوسط الثريد مائدة الخميس الأخير، ويجلس الكل، وبعد تناوله يترحمون على الأموات جميعا، ويستغفرون لهم، والأكلات الطقسية في الأديان موضوع لافت للنظر، ولم أجد نظيرا لعشاء الميتين إلا عند المندائيين، ويسمونها الذخراتا، ولو توقفنا عند البليلة عند السودانيين فهي لازمة ثابتة لكل صدقة طعام يراد بها دفع البلاء، أما في رمضان فلا تفارق المائدة في الإفطار..

 

ومن اللطيف أنني عايشت كذلك القرنقعوه، خرجت وصحت مع الأولاد القطريين، مرددا: قرنقعوه قرقاعوه، كانت الأصوات تتعالى، كأننا نحادث السماء، أو نريد أن نتأكد أن قمر ليلة 15 رمضان سيسمعنا، كانت المجموعات تتلاقى، يحصل احتكاك من نوع ما، تبدأ معركة قصيرة سخيفة، لكن تنتهي سريعا كأن لم يحدث شيء..

عالم الأطفال طريف.. لا يحملون غضبا في القلوب، ولا يعرفون قيمة للمال، كصفات أولياء الله تماما، تتوقف الجولة تقريبا منتصف الليل، يعود الجميع لمنازلهم بأكياس مكسرات.. متنوعة وظريفة..

كان الطريق متشعبا، لكن لا غاية سوى البهجة، كانت الطرق تعلن الالتزام التام بقوانين السير، كان الكل يخلي الشارع للأطفال، فهذا يومهم، وهذه ليلتهم، ليس ثمة من يعكر صفو هذه الليلة..

أما التلفاز ذو المحطة الواحدة قديما، فالوجوه فيه مألوفة متجددة، فلا رمضان بلا علي الطنطاوي أو إعلان الشيخ عبد القادر العماري بيان تحري الهلال، ولا يمر من دون أدعية صلاح خليفة، أو مسابقات أيمن جادة ثم جاسم عبد العزيز.

 

من مفارقاتي الشخصية أن الإفطار قرب الطريق لم أشاهده غير مرة واحدة، فقد صادف أن جماعة من أقاربنا كان يجمعهم شارع واحد، فكانوا يخرجون بالإفطار، فذهبنا، كان مشهدا سرياليا بمقاييس ما بعد كورونا، فالكل يأكل، ويشرب، ويمزح.

لكن المفارقة الأطرف حدثت بعد 25 عاما من تلك الواقعة، فقد قاد القدر صديقي الهندي المسلم من كيرلا فتوقف عند جماعة من السودانيين ليأخذ تمرا وماء ليشربه، فأقسموا أن ينزل ويفطر، فنزل على استحياء، ولا يزال رمضان السودانيين حتى الآن مربوطا في ذهنه بـ"صالونة وخبز متين" يقصد أكلة القراصة بالدمعة والتي تنتمي لعائلة التشريب العراقي..

لكن الوقفة الأهم لأي طفل كانت سيخ الكباب على ناصية المخابز، فمن ينسى شجاع الإيراني وسعيد الهندي وسواهما من أسماء طفولتنا القديمة، كان سيخ الكباب هو الفاصل بين شوطي المباراة.. أو لهاث اللعب.

رمضان.. ألق.. يتجدد

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة