متى ينتهي الاستبداد في الشرق الأوسط؟

الاستبداد (رويترز)
الاستبداد (رويترز)

 

الاستبداد الحقيقي هو استبداد السلطة تجاه العقول، فعندما تمتلك عقل المتعلم وتجعله يقول ويُضل بما يعرف من أجل حفنة من المال وقليل من الرضا حتى ينال مأمنه في نفسه ووظيفته، ويتم تضييق الحال على المفكر والعبقري ليهجر الوطن، فهذا هو أشد أنواع الاستبداد المدمر للأوطان.

وعندما تروج لإشاعات مفبركة وتضل العقول من خلال شاشة صغيرة ومجموعة من المتحدثين الذين لا يعرفون غير ما يُكتب لهم، لكي يضلوا جموعا غفيرة من العوام من خلال استغلال أميتهم وعدم وعيهم، ومن أجل أن تتحول الحقيقة إلى باطل والباطل إلى حقيقة، كل ذلك كفيل بخلق نوع من الاستبداد لفترات طويلة، وهذا النوع من الاستبداد يضر الناس في عقولهم ومعاشهم ودينهم، لأن الغاية السلطة، وليس العمل على الرقي والتقدم بالشعوب.

 

الأصل في التقدم هو العلم وأهله، اللذان يفتقدهما صاحب السلطة، إذ يعتمد على أهل الثقة لا أهل الكفاءة، لأن أهل العلم وأهل المعرفة لا يتقبلهم المستبد ولا يحبذ مشاركتهم له، فالمستبد دائما صاحب شخصية نرجسية مستبدة برأيها، فمن هنا نطرح سؤالا:

هل يستقيم بناء من دون أعمدة؟

بيئة المستبد لا تصلح إلا بالاستبداد بأصحاب العقول، وهذا هو الاستبداد الحقيقي وأصعبه، لأنه يصعب تجنبه لعدم قدرة الجميع على التلفظ في وجه المستبد، فبيئة هذا الاستبداد تحاول أن تجعل الجميع أصحاب رذيلة وخطأ، وتشل ضميرهم، والأصعب أن هذا الاستبداد ضرره كبير لمكوثه فترات طويلة، تصحب هذه الفترات عدة أمراض منها الفقر والأمية وغياب الوعي.

نجد من أدوات الدعاية لهذا الاستبداد الإعلام ثم الإعلام، الذي يأخذ لقطة معينة لتجميل المستبد في الداخل والخارج، ويوهم هذا الإعلام الشعوب بأن في هذا الاستبداد يكمن الخير والأمان والرخاء، كالذي يضع السم في العسل، وأيضًا يعمل المستبد ورجاله على تضخيم الأشياء الصغيرة بأنها إنجازات كبيرة، رغم أنها من أبسط حقوق المواطن في وطنه، وأيضًا يجعل حقوق الشعوب ليست حقا أصيلا، بل هبة من الحاكم لشعبه.

ونجد أن السبب في طول فترات الاستبداد أن منهم قادرين على المواجهة وفهم حقيقة هذه الأمور، لكنهم إما خضعون بالنفاق من أجل المأمن فباعوا علمهم ودينهم من أجل حفنة من المال تصيبهم، أو شهرة ينالوها، أو منصب يعطف به المستبد عليهم، وهناك من أصابه اليأس من جهل الجميع فالتزم الصمت وترك الساحة، وهذا ما يؤدي إلى هجرة  المفكرين والعباقرة خارج حدود موطن الاستبداد ليتجنبوا سوط المستبد، فالعلم والعقل هما العدو الحقيقي لأي مستبد، والجهل والفقر والسوط والإعلام هي أسلحة المستبد.

 

في النهاية نجد الاستبداد يجعل الأوطان تخسر عقول أبنائها وفرص تقدمها وبناء حضاراتها، وتفقد الشعوب ثقتها في ذاتها فتستسلم وترضا بقدرها، وفي ظل الاستبداد يغيب الأمان  الفكري والعقلي والوظيفي والبدني وإلخ.. ومن مخاطر فقدان الأمان فقدان فرصة قيام الحضارة، لأن الاستبداد يعطل الطاقات والعقول ويعيق تقدم الدول حضاريًا وثقافيًا واجتماعيًا وحتى اقتصاديا، فمتى ينتهي الاستبداد في الشرق الأوسط؟.. لكي تزدهر حضارته مرة أخرى.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة