الإعلام التربوي هل يكون حلاً؟

 

في 12 أبريل/نيسان 2021 انطلق بث القناة الوطنية التربوية في تونس، وهي بمثابة التجربة الأولى من نوعها في المشهد السمعي البصري على الصعيد المحلي، وتُعنى بالمجال التعليمي، وموجهة بالأساس إلى تلاميذ الأقسام النهائية -السادس الابتدائي والتاسع الإعدادي والبكالوريا- للاستفادة من دروس دعم في شكل برامج تلفزيونية يتم إنتاجها بالتعاون بين وزارة التربية ومؤسسة التلفزة التونسية، وجاءت هذه الخطوة كخيار بديل عن التعلم عن بعد، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد موجة حادة من انتشار وباء كورونا. كخطوة ارتأتها وزارة الإشراف نظرا للصعوبات المتعلقة بالبنية التحتية، التي تتطلبها عملية التعليم عن بعد، وهو ما يجعل ضمان مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في حق التعليم بين جميع التلاميذ من مختلف الفئات والجهات في البلاد غير ممكن.

 

وفي هذا السياق، يجرنا الحديث هنا إلى التطرق لمفهوم حديث نسبيا ذي صلة بتطوير مناهج التربية والتعليم فرضته تطورات العصر وتحدياته ألا وهو مفهوم "الإعلام التربوي"، وحول علاقة هذا النوع الجديد من الإعلام بعملية التعلم، ومدى تحقيق أهدافها، والوصول إلى غاياتها، أجريت دراسات وبحوث متعددة من طرف مختصين وباحثين في المجالين التربوي والإعلامي، في محاولة منهم للإلمام بجوانب هذا المفهوم وإشكالاته والسعي إلى معالجتها.

تلبية للاحتياجات التي يتزايد نسقها يوما بعد يوم، واستجابة للمطالب المختلفة باختلاف مجالاتها، اختلفت الخدمات التي تؤديها وسائل الإعلام وتنوعت، حتى أصبحت اليوم تشمل كذلك قطاع التربية والتعليم، هذا بالإضافة إلى دورها الرئيسي والكلاسيكي في الاهتمام بالحوادث، ونقل الأخبار للجمهور في مختلف أصقاع العالم. معاضدة لمجهودات المؤسسات التربوية والتعليمية، ومنافسة لها في دورها، في الآن ذاته، تقدم بعض المحطات التلفزيونية مادة تعليمية صرفة، أحيانا لا تقدر على تغطيتها حتى الظروف العادية، وموجهة لفئة بعينها من فئات المجتمع -التلاميذ والطلبة- كما أصبح المضمون التعليمي والتربوي اختصاصا إعلاميا يميز بعض القنوات الفضائية عن القنوات الإخبارية والرياضة والوثائقية وغيرها من القنوات الأخرى، في ظل ثورة تكنولوجية اتصالية هائلة جعلت العالم بجميع قاراته قرية صغيرة تتواصل فيها الشعوب، وتتفاعل مع بعضها البعض، وتتشارك المعلومات والأفكار بسرعة رهيبة متجاوزة كل الحواجز والمسافات، إلى حد دفع بعض المختصين والخبراء في توصياتهم البحثية إلى الدعوة لاستغلال هذه الإمكانيات وتوجيهها نحو عملية إعداد العقول وتكوينها على المستوى الأكاديمي، وتحصيل الكفاءات، بحسبان أن هذه المناهج التعليمية بوسائل اتصال حديثة سوف تكون أرفع مردودية، وأكثر نجاعة من المؤسسات التربوية والتعليمية الكلاسيكية (المدارس، المعاهد، الجامعات).

 

لا يخفى أن تونس، كغيرها من بلدان عالمنا العربي وبقية بلدان العالم النامي، تواجه مشكلات حقيقية على مستوى البنية التحية لقطاع التربية والتعليم، قطاع لطالما راهنت عليه الدولة، منذ الاستقلال إلى اليوم، واستثمرت فيه جزءا مهما من الميزانية العامة، ورغم كل المجهودات والإمكانات الموجهة له، ما يزال النقص الحاصل واضحا وجليا في عدد المؤسسات التربوية والتعليمية بمختلف مستوياتها، ما جعلها غير قادرة على استيعاب الكم المتزايد سنويا في عدد التلاميذ والطلبة، حتى إن أغلبها يعاني من عدم تجهيزه كما ينبغي بالوسائل والمعدات الضرورية اللازمة للعملية التعليمية في حدها الأدنى، فضلا عن الوسائل الأخرى الحديثة والمتطورة التي أنتجتها الثورة التكنولوجية والرقمية، زد على ذلك عدم وجود العدد الكافي من المدرسين والمختصين والإداريين وغيرهم من الموارد البشرية المتدخلة في المجال، كل ذلك وأكثر حال دون تحقيق الأهداف المأمولة، وبلوغ غايات السياسات التربوية والتعليمية الرسمية المرسومة.

هذه الوضعية لا شك أنها تنسحب على جميع بلدان العالم النامي؛ لكن بدرجات متفاوتة، وليست تونس هنا سوى نموذج ارتبط بسياق الموضوع. صورة كهذه لا تعكس سوى واقع متردٍّ لقطاع التربية والتعليم، ساهم، وبشكل مباشر، في اتساع الهوة بين العالمين النامي والمتقدم من ناحية جودة التعليم، ومدى تلبيته لحاجيات الإنسان المعرفية والاقتصادية وتحقيق الرفاهية الاجتماعية المنشودة. اليوم، أصبحت العلاقة بين الإعلام والتربية علاقة تكامل، وهو ما دفع بعديد من الدول، بحسب إمكانياتها، إلى تسخير الثورة الاتصالية في خدمة العملية التعليمية، والاستفادة قدر الإمكان من ثمرات التطور التكنولوجي من وسائل حديثة (راديو، تلفاز، إنترنت..)، إذ تتجلى أهمية هذه الوسائل بدورها في تزويد مستخدميها بالمعلومات والمعارف، وسد حاجاتهم الدراسية، وتسهيل عملية البحث العلمي لحل المشكلات القائمة، وتنمية القدرات على التفكير والتحليل العقلي بأنماطه المختلفة (العلمي، الموضوعي، النقدي..)، ولا ينحصر دورها هنا على الجانب التعليمي والارتقاء بالصرح المعرفي فقط؛ بل يتخطى ذلك ليشمل أيضا تهذيب السلوك لدى الأفراد، و نشر ثقافة الوعي، وتنمية الاتجاهات الإيجابية لديهم، وتطوير مهاراتهم الحياتية التي تؤهلهم للمشاركة الاجتماعية بفاعلية وتكيف، واستيعاب قضايا عصرهم وتحليلها بعقلانية وموضوعية كما تهدف إلى ذلك العملية التربوية في جانب كبير منها.

حتى يتجاوز الإعلام التربوي، بجوهره ومظهره، كل العوائق التي تعترضه، وتحول دون قيامه بدوره الحقيقي كما يجب، ويعكس الصورة المثالية للعملية التربوية والتعليمية بتغطية كل جوانبها شكلا ومضمونا وبصفة موضوعية وعلى النحو المأمول، ويكون له أثره البين في عملية التغيير والتطور الحضاري للمجتمع، والارتقاء بمستوى أفراده ثقافيا وفكريا، وتوجيههم الوجهة السليمة، كان لزاما على القائمين على الإعلام التربوي، من مربين ومكونين ومشرفين على المؤسسات التروية التعليمية، أن يمتلكوا حدا أدنى من التدريب والتأهيل في هذا الاختصاص الذي يجمع بين المهارات التعليمية والاتصالية في آن واحد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، مزيدا من الإحاطة بالتلاميذ والطلبة، والارتقاء بحسهم الإعلامي حتى يكونوا على وعي وفهم كامل لتلقي الرسائل الاتصالية بصفة ناجعة، وبشكل يحقق الأهداف السامية للعملية التربوية والتعليمة برمتها.

 

وأخيرا، تظهر العلاقة بين الإعلام والتربية جوانب مقاربة كثيرة بين مجالين متكاملين في ظل التطور التكنولوجي، الذي جعل الإعلام التربوي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لتسهيل العملية التعليمية من خلال نقلها بالوسائل الحديثة، التي تضمن تحقيق أهداف هذه العملية، وبلوغ غاياتها السامية من أجل بناء إنسان متعلم مدرك لواقعه وواع بقضاياه.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة