الساعد المفتول الحامل للخواء

 

طالما كان شهر رمضان المبارك زمان الفتوحات الربانية ومكان الإشارات الإلهية التي تُثبت المسلمين وتُظهرهم على اعدائهم، لا من حيث دخول عوامل التفرُّد على المادة والتقدم فيها، بل من حيث دخول عوامل الإحياء والسمو على الروح.

في الصيام عتقٌ للنفس من رق ما يُسفل بها في لجاجة الشهوات، ووخامة الملذات، وتربية لها على ما يعلو بها في فضاء الفكرة المنيرة، والغاية النبيلة التي تنقي الإنسان من أوضار المعدة المُستكلِبة، وأغبار الحِسبة المستمسكة، وهذه الروح التي يُسكِنها العليم فؤاد خلقه لهي مفتاح الغزوات النبوية، والحوادث التاريخية التي ارتفعت فيها كلمة الله على أعلام المؤمنين، وليس يوم الفرقان في بدر الكبرى ببعيد، فيه قويت شوكة المسلمين، وسادت مكانتهم على المشركين، وأثبت الله الحق للدين، ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلّا بُشرى وَلِتَطمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكُم وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾ (الأنفال: ١٠).

 

بيد أن المسلمين في ذلك الوقت وما بعده كانت نفوسهم متحلقة حول فكرة الإسلام الكبرى، لا تتحرك أجسادهم إلا بدافع منها، ولا تنبض قلوبهم إلا مشغولة بها، تعاف في سبيلها وارف ظلال الدنيا، وتتنكر من أجلها لنعيم الضلال وقد زُينت أعطافه بالمفازة، وحُمل عليه سراب الوجازة، ولكن هيهات أن يعلق بهذه الصدور الكريمة من الأرض غرض، أو يستحوذ عليها من الظهور مرض.

أما وقد عملت الأيام في الناس عملها، فغدا المسلمون أحمالا ترفع بغير غاية، وأقطارا تقطع بلا آية، فقد توقفت هنيهة في صالة الرياضة التي نتمرن فيها قبل الإفطار كل يوم في رمضان؛ لأتأمل هذه الكتل العضلية التي تبدد الحديد، وتأتي بالفريد، في حركات مزلزلة، وهيئات مُعجبة، يؤديها المسلمون وهم ممسكون عن الطعام المُشعِل، والشراب المُفعِل.

فكان من عجيب ما تتفق فيه هذه الأجسام وثاقة التركيب، ومتانة العصب، التي تجمع الساعد المفتول، إلى المفصل الريان، ولعمري ما أقربها من الفناء، وأحملها على الخواء، إن كانت تقطع هذه المشقة قطعًا ظاهريًا، لا فكرة تشعلها إلا مثالية الشكل المفصل، ولا غاية تستنشئها إلا قضية العمل المتصل؛ وأي دافع هذا الذي يجعل الإنسان لا يتحدى الجوع والعطش فقط، بل الأثقال الأرضية، والأحمال العضلية إلا دافع اصطلت به النفس حتى تصرفت به، وتشظت منه الروح حتى ولعت بتحقيقه، ولئن يكون هذا الدافع إلى الأرض وعوالقها أقرب منه إلى السماء وشواهدها ففي ذلك الخسران الأليم، والانكسار العظيم.

ولقد تصبرنا زمنًا طويلًا في محضر الأيام القريبة بأن الفكرة عندنا -نحن المسلمين- حاضرة مكتملة، ربانية خالدة، لا ينقصها إلا الحركة التي تصيرها على الأرض عملًا فيه من الكمال صورته، ومن التفرد كلمته، وأنه سيأتي يومًا ما من ينقلها من باب النظر الخيالي إلى باب العمل التنفيذي، غافلين عن ضيق الزمان المستغلِق، الذي يفتن فيه أعداء الإسلام لخلق ما نشتغل به، شغل المقاصد الكبرى وليس فيه إلا مقصد المخاوف المتجددة، والآمال الدنيوية المتعددة، حتى بتنا آخر الأمر، في جهل من فكر هذا الدين ومقاصد تشريعاته؛ فلا نحسن إلا أن نلوك القشور ونهمل اللباب، ونقف على الظاهر الميسور، ونتجاوز الباطن المقدور، فالإسلام على ألسنتنا الدين الحاكم المتصرف، لكنه في حياتنا مُكبل متوقف.

 

إن الإسلام عقيدة ثورية وجدانية، تقوم على أساسين متصلين، هما الفكرة والحركة، وليس لنا من تأثير هذه العقيدة المتكاملة التي تُصرِّف في المجتمع كل جوانبه، وتكافح في جميع نواحيه إلا وقت أن يكون الحكم له، لا لسلطان جائر، ولا لجماعة مستنفعة، وهذه الفكرة التي يقوم عليها الإسلام، أكثر شمولًا من أي فكرة أخرى؛ إذ تستند إلى كونه نظاما اجتماعيا جامعا مميزا، لا يشوبه التعصب، وليس من خصائصه إقصاء جماعة وتقديم أخرى، بل فور أن ينضم الإنسان إلى موكبه، يتمتع بما يتنعم به غيره من الحقوق، ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣) أما الحركة فهي الكلمة الجامعة التي توحد صف المسلمين، وتجعل كلمتهم مزلزلة عاملة تنبه الناس إلى الصواب، وتحثهم على إعمال الألباب.

 

ولقد سئمنا الروح الفردية المتشرذمة التي تبدد قواها في اتجاهات متفرقة، فلا يكون لها من عزم ولا تأثير، تلكم الروح التي تضاد طبيعة الأمة الإسلامية التي يقوم القرار فيها على الشورى والنظر والإعمال، فإننا في أمس الحاجة إلى إحياء الفكرة الإسلامية العاملة التي تقتضي أن يكون الحكم فيها بما أنزل الله، ولن يتم ذلك إلا بعدما يخرج الإنسان من نفسه المجبولة على الضعف والتردد إلى كتاب الله وسنة نبيه، يطلب الفهم والعمل والمجاهدة لا الحفظ والترديد والسكون،

﴿وَالَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحسِنينَ﴾

(العنكبوت: ٦٩)

فما تمس قلبه معانيهما وأفكارهما ومقاصدهما حتى يحدث في حياته انقلابًا تامًا، في المشاعر، والتصورات، والمفاهيم فيُعاد تشكيل حياته على نحو جديد، يبدد ظلام الوثنية والجهالة، ويستبدله بنور الله.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة