أهمية تزكية القلوب وأثرها في حياة أصحاب الرسول

 

بعث الله تعالى محمدًا للعالمين بشيرًا ونذيرًا وقد أقام بمكة 13 عامًا وفي المدينة 10 أعوام داعيًا إلى الله تعالى، ومزكيًا لأصحابه ومعلمًا لهم، وقد ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على تزكية أرواحهم، وأرشدهم إلى الوسائل التي تساعدهم على تحقيق ذلك المطلب، من خلال القرآن الكريم؛ ومن أهمّها:

 

التدبّر في كون الله ومخلوقاته

وفي كتاب الله تعالى؛ حتى يشعروا بعظمة الخالق، وحكمته سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بَأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54].

 

التأمّل في علم الله الشامل

وإحاطته الكاملة بكلّ ما في الكون؛ بل ما في عالم الغيب والشهادة؛ لأن ذلك يملأ الروح والقلب بعظمة الله، ويطهّر النفس من الشكوك، والأمراض. قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:59-60] .

 

عبادة الله عزّ وجلّ

وهي من أعظم الوسائل لتربية الروح وأجلّها قدرًا؛ إذ العبادة غاية التذلل لله سبحانه، ولا يستحقّها إلا الله وحده؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:23]، والعبادات التي تسمو بالروح وتطهّر النفس نوعان:

  • النوع الأول: العبادات المفروضة كالطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغيرها.
  • النوع الثاني: العبادات بمعناها الواسع الذي يشمل كل عمل يعمله الإنسان، أو يتركه، بل كلّ شعور يُقبل عليه الإنسان تقرّبًا به إلى الله تعالى، بل يدخل فيها كلّ شعور يطرده الإنسان من نفسه تقرّبًا به إلى الله تعالى. قال ابن كثير: ما دامت نيّة المتعبّد بهذا العمل هي إرضاء الله سبحانه وتعالى، فكلّ الأمور مع نيّة التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى عبادة يُثاب صاحبها، وتربّي روحه تربية حسنة [ابن كثير، التفسير، 312-313].

 

إنّ تزكية الروح بالصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، والتسبيح له سبحانه أمر مهمّ في الإسلام؛ فالنفس البشرية إذا لم تتطهّر من أدرانها، وتتصل بخالقها فلن تقوم بالتكاليف الشرعية الملقاة عليها، والعبادة والمداومة عليها تعطي الروح وقودًا وزادًا، ودافعًا قويًّا إلى القيام بما تؤمر به، ويدلّ على هذا أمر الله الرّسول صلى الله عليه وسلم في ثالث سورة نزلت عليه بالصلاة والذكر، وترتيل القرآن.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقرآن تَرْتِيلاً *إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً *إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً *إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً *وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل:1-8].

 

إن الاستعداد للأمر الثقيل، والتكاليف الشاقّة يكون بقيام الليل والمداومة على الذكر والتلاوة، وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربّه عزّ وجلّ على تربية الصحابة من أول إسلامهم على تطهير أرواحهم وتزكيتها بالعبادة. [السيد محمد نوح، منهج الرسول في غرس الروح الجهادية، ص19].

قال عبد الحليم محمود: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلُّوا ذهبوا في الشّعاب، واستخْفوا بصلاتهم [عبد الحليم محمود، فقه الدعوة، ص69].

وقال علي العلياني: ولـمَّا خاف صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام على أصحابه، وعرف أنَّ الكفار لا يتركونهم يمارسون الصلاة، وقراءة القرآن علنًا، دخل بهم دار الأرقم، وصار يصلّي بهم، ويعلّمهم كتاب الله عزّ وجلّ، ولولا أهمّية تزكية الروح بالعبادة، والصلاة، والتلاوة لأمرهم بتركها عند الخوف، حتى إنه بعد أن اكتشفت قريش المكان الذي يصلّي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة والتلاوة لأجل الخوف. [علي العلياني، أهمية الجهاد في نشر الدعوة، ص69].

 

وقد حضّ الله تعالى في القرآن المكّي على إقامة الصلاة، وأثنى على الذين يخشعون في صلاتهم، والذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجل إحياء ليلهم بذكر الله، وعلى الذين يدعون الله ويسبّحونه، ويذكرونه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:1-4].

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:15-17].

وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:114].

وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقرآن الْفَجْرِ إِنَّ قرآن الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:78-79] .

وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى *وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى *وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:130-132] .

وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ *وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:39-40].

 

قال الصالحي: وهذه الآيات الأخيرة تدلّ على أن العُدّة في حال الضيق والشدّة هي الإكثار من الصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، والالتجاء إلى الله سبحانه وحده، والإكثار من الدعاء [محمد الصالحي، سبيل الهدى والرشاد، (2/404)].

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة