رمضان.. طيوف ملائكية

الاجواء الرمضانية جعلت كتارا الخيار الأول للقطريين (الجزيرة)
الاجواء الرمضانية جعلت كتارا الخيار الأول للقطريين (الجزيرة)

 

تكتسي الحياة المجتمعية في بلاد المسلمين بطابع شهرها المميز شهر رمضان ابتداء من أول لحظة من لحظاته، وتتجلى نفحات الخير أمام الجميع وهم يبدؤون موسما فريدا من نوعه، حيث إن المكاسب عنوان اللحظة وللروح من هذه المكاسب القدح المعلّى في فضاء تسوده أنوار البر وأعمال الخير والتلاوات التي يتفيأ ظلالها الصائمون، حيث لا شيء يضاهي سلطان الصوم وهو يرسم سكينة ووقارا في مشهد الحياة العامة، ويأخذ بالناس إلى حيث المشرب الأصفى والزلال الأنقى والربح الذي لا ينفد.

وما بين مواعيد إزجاء الليل وإشراق الصباح تظل المسيرة الأجمل ضمن العام في سيرورتها البديعة والتي تستعصي على التحديات والعوائق، فلئن كانت أجواء العالم اليوم ترزح تحت وطأة الوباء في عامه الثاني، بالشكل الذي أدى إلى تعطيل وشلل جانب من تجليات الحياة اليومية في دول العالم، فإن روح رمضان وديكور رمضان ووقْع رمضان أمور أصيلة في ثقافة المجتمع المسلم وجزء من ماهيته فلا سبيل إلى اختفائها ما دام في الحياة جانب حيوي وما دام مشهد يحوي حراكا للأفراد وطالما كان هناك وجود يمثل التجمع الإنساني في بلدان المسلمين.

فرَمضان قبس ينير الحياة كما ينير الأرواح، ولذلك لم ينحصر في دائرة أداء عبادة الصوم وإنما كان قالبا عاما تنضوي ضمنه الحياة اليومية ويغدو إطارَها المهيب والبديع، فتماما كما تبدو بتميزها الجميل مجسمات هلال الصوم وبعض التصاميم الفنية الخاصة بالشهر، تبدو يوميات المجتمع المسلم خلال هذه الأجواء، في شكل باقة رائقة ولكنها أيضا أكثر إبهارا من كل الصناعات الفنية، ولمَ لا وعوالم النفس والروح أنصع تأثيرا وأبلغ تقريرا.

كطيوف ملائكية، تلمح في مدينة الدوحة أفرادا من طواقم عمل الجمعيات الخيرية وهم يسابقون إشارات المرور بالطرق وعند التقاطعات قُبيل صلاة المغرب، للتمكن من إمداد مستخدمي الطرق بوجبات إفطار الصائم الذي أدركه وقت الإفطار قبل الوصول إلى وجهته، فتُدرك أن أجواء رمضان أقوى من كثير من التحديات، فقد تزول مظاهر أو تتقلص مشاهد منها غير أنها في المجمل باقية بقاء عنصر الإنسان المسلم ولابثة ما دامت أعين ترف في مدن المسلمين.

أما يوميات الإعلام ومنصاته فقد شكلت فضاء افتراضيا حقا في ما يخص مواسم الناس، حيث تزخر الصفحات بالتهاني وببرامج إحياء أيام الصوم ولياليه وتبرز من هنا وهناك الصور التي تتكامل في ما بينها لتمتين إطار حياة رمضان بشكلها العام، فيُشارك الذي عطلت الأجواءُ الصحية صلاة التراويح في بلدته، أجواءَ آخرين وهم خلف إمامهم مخبتين، كما يتسنى توسيع معاني التجمع عبر الفضاءات الرقمية في الوقت الذي تتقلص فيه الاجتماعات الميدانية بفعل ما اندلع بالعالم منذ سنة ونيّف.

 

لقد كان رمضان منذ بدأ في بلاد الإسلام، حيّزا زمانيا مختلفا، وقصة موحية من الجمال الذي يغمر بأصدائه النفوس والقلوب فيظل تعلقها بالشهر وثيقا، فذلك وصْف رمضان المطرد في الواقع الأعم، ومن هنا مضت أجيال الإسلام شيعا في افتنان طقوسه وتكريس عاداتهم إلى جانب عباداتهم، تعبيرا عن مدى الاحتفاء المؤطر للوجدان العام، وشهد التاريخ ضمن هذا السياق العديد من القصص التي صوّرت نظرة العديد من شخصيات الإسلام الدينية والعلمية إلى إحياء رمضان إذ سطروا في ذلك أبلغ الأمثلة.

لكنه على الضفة الأخرى، صوّر التاريخ أيضا جانبا لم يشأ في مدلوله أن ينحصر إلا في النكتة التي ترتبط بالواقع البشري، ورمضان من أبرز جوانب هذا الواقع في الفضاء الإسلامي، فلذا تم على هامش حياة الصائمين تسجيل جزء من هذا الجانب عبر ألسنة آحاد ممن لم تكن ربما أزمّة نفوس بعضهم في يد الشهر الكريم، فابن قتيبة يخبرنا عن أعرابي قدم على "ابن عم له بالحضر، فأدركه شهر رمضان؛ فقيل له: أبا عمرو لقد أتاك شهر رمضان قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام، قال: أبالليل أم النهار؟ قالوا: لا بل بالنهار. قال: أفيرضون بدلا من الشهر؟ قالوا لا قال: فإن لم أصم فعلوا ماذا؟ قالوا: تضرب وتحبس، فصام أياما فلم يصبر، فارتحل عنهم وجعل يقول:

يقول بنو عمي وقد زرت مصرهم

تهيأ أبا عمرو لشهر صيام

فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي

سلام عليكم فاذهبوا بسلام

فبادرت أرضا ليس فيها مسيطر

علي ولا منّاع أكل طعام

 

ويورد ابن قتيبة أيضا في أخبار هذه الفئة، أن أعرابيا نظر إلى "قوم يلتمسون هلال شهر رمضان فقال: والله لئن أثرتموه لتمسكن منه بذنابى عيشٍ أغبر" أما المجتمعات في شتى أنحاء دار الإسلام فتدرك أنها تمسك من رمضان بالعيش الأنضر.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة