عقد على الربيع العربي.. حماية الدولة

ثورات الربيع العربي (رويترز)
ثورات الربيع العربي (رويترز)

 

حمل شهر أبريل/نيسان 2019 الكثير من الأحداث في الدول العربية كليبيا التي تجدد فيها القتال بين طرفي الصراع، وتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، كما أن بعضها شهد عودة قوية للاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، ولعل تداول أخبار حراك السودان والجزائر المتصدر في صحف وقنوات عالمية أعاد للذاكرة العربية المشهد الداخلي المتذبذب للأنظمة الحاكمة بعدما اجتاحتها موجة الربيع العربي أواخر عام 2010 وهي ترفع شعارات الرفض والرحيل لأنظمة أيقنت مدى إفلاسها واضمحلالها.

وفي ضوء التطورات السريعة لاحتجاجات السودان والجزائر واختلاف القوى الشعبية والنخبوية في تحديد ماهية الحراك كونه ثورة تطالب بـ"إسقاط النظام" واستعادة الشعب سلطته، أم أنه حركة إصلاحية تدعو إلى "تسليم السلطة" للشعب واستقالة رموز الفساد بالدولة، وبعد مماطلة السلطة الفاعلة واستمرارها في استفزاز الجماهير المتظاهرة لجأ العديد من الحراكيين للبحث عن بدائل للضغط على القوى المهيمنة على السلطة عبر توسيع دائرة الحراك، من عفوية ثورية استنهضت همم الشعب تجاه الظلم والاستبداد إلى حالة مستعصية يغلب عليها الطابع الإقصائي، خاصة بعد ارتفاع وتيرة المطالب الشعبية من "لا للعهدة الخامسة في الجزائر" إلى مدنية وليست عسكرية عقب تصدر المشهد "الثوري" قيادتي أركان الجيش في الجزائر والسودان وضغطها على رئاسة الجمهورية لإعلان استقالة الرئيس بوتفليقة في 2019/4/2، وخلع المجلس العسكري السوداني لعمر البشير في 2019/4/11.

إسقاط النظام أم الدولة؟

مع سقوط رأسي النظام في كلا البلدين لم تهدأ الاحتجاجات المناهضة لمنظومة الحكم المافياوي، بل توسعت وازدادت وثيرتها لتشمل المؤسسة العسكرية ذاتها، مطالبة إياها بتسليم السلطة للمدنيين.

طمأنت قيادة الجيش في الجزائر والسودان المتظاهرين وأعلنت وقوفها المستمر إلى جانب الشعب، داعية إياه للتمسك بالحلول الدستورية والقانونية لضمان أمنه السياسي والاقتصادي، لترشح عن تلك التجاذبات أحزاب وشخصيات رأت في التمسك بخطاب "مدنية وليست عسكرية" ورقة ضغط دولية لتحقيق طموحاتها السياسية الضيقة، ولتعود سيناريوهات الثورة ومآلاتها المخيفة في كل من سوريا واليمن إلى الواجهة عقب سقوط قتلى في ميدان الاعتصام بالسودان بعد إعلان الاتفاق على تشكيل مجلس السيادة، مما دفع المجلس العسكري السوداني إلى نفيه إطلاق رصاصة واحدة على المتظاهرين، متهما مندسين في الحراك بافتعال حالة التصعيد لحرف الثورة عن مسارها السلمي.

كان من الممكن حدوث انفلات أمني خطير يفضي إلى فوضى في الجزائر والسودان مع ما يعيشانه من تعثر اقتصادي وسط بيئة جغرافية مليئة بالأزمات والحروب الداخلية، وهو أمر لم يكن ببعيد حدوثه بعدما لاحت طلائع "صفقة القرن" والضغوطات التي مارستها الإدارة الأميركية على الحكام العسكريين، وحيثما ذكرت الفوضى أو الحرب الأهلية كانت عملية الانشقاق أو التمرد عن النظام تتقدم أهم الأسباب التي تحوّل تحركا عفويا سلميا إلى قنابل يتقاذفها أمراء الحرب من الجانبين، محوّرين حُلُم التغيير الشعبي إلى كابوس يفكك ثورة أو حراك ما إلى شظايا يصعب اندمال جراحها بسبب العنف والخوف المستمرين، محدثة بذلك شرخا بين الأسباب الحقيقية التي دفعت بالملايين للخروج إلى الشارع ونتائجها المكلفة بشريا وماديا.

 

عملية البحث عن منشقين من داخل النظام كانت حلم الكثيرين ممن أملوا أن تكتب لخطاباتهم التحريضية والعنصرية أن تجد قبولا لدى قيادات أمنية وسياسية فاعلة، بغية إضعاف السلطة وتفريغها من عناصر الثبات والقوة اللذين تمتاز بهما.

غير أن الدعوة لانشقاق السياسيين والأمنيين لم تؤت نتائجها الملموسة على الواقع، كانت رغبة السلطة الجديدة الفاعلة تجنب المواجهة الأمنية ومراهنتها على استحالة حل الأزمة عن طريق العنف النظامي، واللجوء إلى أدوات أكثر فاعلية لتشتيت الثورة/الحراك، إلا أن ثمة عوامل ساهمت في معرفة ظاهرة الانشقاقات وتداعياتها على الدولة بوصفها حقيقة سياسية للاستقرار.

 

ولنعد إلى أحداث مصر 2011 حينما انبرى مدير الاستخبارات المصرية اللواء عمر سليمان معلنا في خطاب استقالة الرئيس مبارك تولي المجلس العسكري "إدارة شؤون البلاد"، حيث عمت الفرحة أرجاء الجمهورية واستبشر الشعب المصري بخلع الطاغية ووقوف الجيش المصري إلى جانب الشعب لانتقال السلطة سلميا.

 

وفي الوقت ذاته، رفضت الرئاسة في سوريا وليبيا التخلي عن الحكم وتسليم السلطة للشعب، ودفعت نحو المواجهة والتصعيد ضد المنتفضين تاركة العنان لآلتها الأمنية والعسكرية الإمعان في ارتكاب تجاوزات خطيرة بدعوى مكافحة الإرهاب، لتلخّص بذلك كيان الدولة بمؤسساتها السياسية والأمنية وطابعها الاجتماعي والثقافي في حكم عائلي شمولي لم يكن مستعدا للحظة المفصلية لنهضة الأمة.

 

في ليبيا لم يكن ثمة جيش نظامي ذو جاهزية وعتاد قوي، فرغبة الزعيم الليبي معمر القذافي في تهميش الجيش عن بناء وحماية الدولة الليبية عزز فرص انهيار المنظومة الأمنية عقب ثورة فبراير/شباط، وحينما سئل الرئيس السوري بشار الأسد في لقاء خاص مع قناة الدنيا بتاريخ 2012/8/28 عن ظاهرة الانشقاقات التي شهدها نظامه السياسي والعسكري أجاب بقوله "إنها عملية تنظيف ذاتي للوطن".

استبشرت المعارضة بتوالي الانقسامات عن النظام، وعملت على ضرورة تكثيف الخطابات المحرضة للتخلي عن مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش باعتباره جيش الأسد، وباتت سوريا الدولة تفتقد إلى شرعية سياسية جسدت تناقضات الغرب حول اعترافه بمفهوم السيادة، فاعتراف فرنسا والولايات المتحدة ودول خليجية بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب السوري كان مرحلة مهمة في البعد الدولي الذي ستشهده الثورة من تدخلات خارجية، في حين سارع المجلس الوطني الليبي -كمظلة سياسة بمقدورها حماية المنشقين- إلى توفير الضمانات القانونية بعدم الملاحقة القضائية وتوفير الحياة الكريمة لعائلاتهم، وإضفاء البعد القانوني والدولي لتدخل حلف شمالي الأطلسي لإسقاط معمر القذافي.

ساهمت ظاهرة الاعتراف بهيئات موازية مثل "المجالس الانتقالية" في توريط مؤسسات الدولة وعدم تحييد المعارضة لها من معادلة التغيير الجذري، فازدادت بنية الأنظمة المستبدة تماسكا مع ما اعتراها من تشققات، وسمحت بتعدد الفاعلين في الثورة وتفرقهم على أيديولوجيات متناقضة جمعهم الدعم الخارجي لا الحق في الثورة.

 

وعندما فقدت الدولة طابعها الوطني الذي يكفل حقوق الفرد والمجتمع استحال الوقوف على أهمية الحفاظ على مكتسبات السيادة وإن كانت هشة وغير مكتملة نسبيا، فالفرق بين من أراد "اسقاط النظام" ومن هدفه "إسقاط الدولة" في دوامة النزاعات والفوضى تجلى حينما أُجهض على الأصوات المنادية بالحوار الداخلي والرهان على مقترحات المبعوث الدولي، وبدل أن يستعيد الشعب المنتفض حريته وكرامته التي حلم بها كانت صفقات توزيع المناطق والسلاح والنفوذ ترسم تقسيمات طائفية وجهوية وفق أجندات الداعمين الإقليميين والدوليين، ومع تصلب بنية النظام وانكفائه على ذاته أكثر من ذي قبل، وصعود الخطابات العنصرية والأيديولوجيات المتطرفة التي أسهمت في تفتيت الثورة من الداخل وإضعاف عفويتها وفاعليتها تراجع حلم التغيير من داخل الأنظمة الحاكمة كسبيل أنجع وأقل تكلفة للحفاظ على بنية الدولة.

 

كان العمل على حرف الثورة عن طابعها العفوي والسلمي أهم الأسباب للمراهنة، ليس على الإطاحة بالنظام فحسب، بل بالمعارضة كونها قبلت لعبة التصعيد التي لم تملك أدواتها الأساسية لإنهاء الصراع من دون تدخل إقليمي ودولي، وعلى إثر تعثر المعارضة كانت عملية تمرد السياسيين والأمنيين لا تضفي الشرعية على الثورة بقدر ما تمنح وهما بالنصر آل إلى تغييب المنشقين، فلقد لعبت الاستخبارات الدولية في تجنيد قيادات من المعارضة لحشد المزيد من أطراف الصراع الذين سخّروا الثورة لتصفية الحسابات الدولية، ولم تستطع المعارضة ولا النظام إزاحة أي منهما عسكريا، ومع رسم المجتمع الدولي خطوطا حمراء وتهديده المستمر للنظامين السوري والليبي إلا أن العنف ازداد ضراوة حتى بلغ حد استعمال السلاح الكيميائي ضد المدنيين، ولم يتورع النظامان الليبي والسوري عن استخدام وحشي للقوة بدعوى مكافحته للإرهاب مانحا العالم صورة مخيفة لمأساة إنسانية.

 

كان الربيع العربي مرحلة مفصلية لإعادة صياغة المنطقة، كما أنه أثبت بما لا يدعو للشك أن الأنظمة القائمة لم تكن سوى امتداد للمركزية الغربية منذ أن أعلنت مستعمراتها الاستقلال الوطني، ومنذ اللحظة التي تأسست فيها الدولة شبه "الوطنية" كانت الانتكاسات تحيط بها جراء تفاني البورجوازية المافياوية في سلب مؤسسات الدولة دورها الإصلاحي والتنموي، لتغدو الدولة هيكلا واهنا لا يملك أدنى مقومات الاستمرار والتطور، وبما أن الشعوب طالبت بالإصلاح والتغيير الجذري فقد كان على البورجوازية الحاكمة أن تواجه حلم التغيير بالقمع والقتل، مرسخة لدى الكثيرين أنها حقا وريثة استعمار وحشي لم يتوان للحظة عن قتل وتشريد ملايين من الناس عن أرضهم.

ويجسد حراك الجزائر والسودان مرحلة أخرى من تاريخ أمة تأبى أن تركع لمن يسلبها حق الحياة والحرية، ومهما طال أمل التغيير فإنه سيجيء يوم يتسلى المظلوم فيه بمن ظلمه تحت سلطة الدولة الوطنية الحقة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة