نبش الذاكرة.. رمضان الزول

 

"حاجات رمضان" كلمة لها مفعول السحر عند السودانيين، فلا رمضان بدون حاجاته غريبة الألوان نفّاذة الروائح، بداية بـ"الأبريه" و"البصلة" وانتهاء بـ"الحلو مر"، وهي خلاصة حاجات رمضان بتناقضاتها، ولغز السودانيين الأشهر، وسرهم الباتع الماتع، الذي لا يكاد السودانيون يُحسنون شرح ماهيته، فالمعجب بشيء لا يحصي له حسنا، فكيف يصفه؟

وحاجات رمضان تبدو اليوم معركة مصيرية، فمع قيود السفر أصبح وصولها شيئا من باب الكرامات والتوفيق الإلهي، ليكتمل رمضان وتكتمل مائدته، وتحلو نكهته، ولك أن تتخيل صعوبة العثور على هذه الحاجات خارج السودان إذا حدثتك عن "الحلو مر".

هذا المشروب، ملخص الحياة في ذاتها، فالبهار والتمر والكركدي والزنجبيل وأنواع من البهارات تدخل كلها في "الحلو مر"، فهي حلوة ومرة في آن، لتكملها الزريعة، وهي رؤوس صغيرة تنمو بعد تشتيت الذرة الرفيعة فوق الخيش وما شابهه، وسقيها، ثم تعد لتخلط في عجين واحد مع بقية المكونات، وتجتمع نسوة الحي على هذا العمل، ويتشاركن في فرده على الصاج، وإيقاد النار تحته، ثم تنشيفه في الشمس الحارة ببلاد جافة المناخ على أي حال، وبعد الجهد يأتي الطعم الحلو الذي يروي الصائم ويعوضه عن السكريات التي فقدها، ويقطع عنه شر العطش عندما يشربه في السحور، أليس هذا فلسفة للحياة؟

وإذا تحدثنا عن "البصلة الناشفة" -التي تستخدم في عمل الملاح (خليط من اللحم المفروم والطماطم والبامية أو بعض الخضار الأخرى البديلة لها)- فتلك معركة المعارك، وفي ذهن المرأة السودانية كأن الله لم يخلق البصل إلا في السودان، ولم يوجد شعب قط يعرف تنشيفه، ولأني من المستهلكين فلا أفتي في سر لا أعرف منه إلا مذاقه الشهي اللذيذ.

أما ما يفقده السودانيون جميعا ويتأكد المغترب من استمراريته؛ فهو "البرش"، البساط المضفور من سعف النخيل، الذي يستخدم للصلاة، حيث يجتمع الناس بأطباقهم حسب المتاح، وبعد انتهاء الطعام يمدون البرش، ليصلوا المغرب.

والبرش منتدى فيه إكرام العابر، واجتماع السامر، فيجتمع الناس فيه حتى قبيل التراويح، ثم يلملمون أطباقهم حريصين على تفقدها، ففقدان ملعقة قد يكلف الزوج صداعا نصفيا لعدة ليال، حتى يتم العثور عليها، ولا تنفعه كل خدماته الأخرى أمام فقد المرأة لأغراض مطبخها.

واللطيف أن السودانيين يوقفون عابري الطرق السريعة قرب قراهم، إلزاما، فيضطر السائق إذا كان غير مسلم للإشارة لهم شاكرا، وموضحا ديانته ليتمكن من العبور، وقد لا ينجح، فهو في النهاية ضيف.

والليالي السودانية في رمضان مساحة رياضية طريفة، فلديك خيارات من الدورات الرمضانية التي يمضي فيها شباب الأحياء وقتهم، فيجتمعون على ألعاب أخرى غير كرة القدم، ربما لعدم حاجة تلك الألعاب لعدد كبير من اللاعبين، وهنا يلتقون مجددا، ويتحدثون، ويتداولون شؤون الحي وأخباره، ويتفقدون بعضهم.

وأتذكر شيئا في طفولتي هو "الحارة"، تلك المسيرة التي تنتهي بـ"الثريد"، والتي تتم في آخر خميس من رمضان نهارا، حيث يدور الأطفال على البيوت متسائلين "الحارة ما مرقت؟"، وفي قرى كثيرة يسمونها "الرحمة تات" أي الرحمة أتت،  فيدخلون البيوت، ويتناولون الثريد الأكلة الطقسية الأشهر، لكن الأشجان تبقى لليل، حيث تحرص كثير من الأسر على إعداد "الثريد" في فطور الخميس الأخير من رمضان، ويسمى بـ"عشا الميتين" أو "عشاء الأموات"، وهي وجبة تعمل بنية التصدق على روح الأموات، ويتمنون حضور الضيوف فيها، حيث يتناولون الطعام، ويترحمون على الأموات، وسط شيء من تنهيدات الذكريات الغابرة، وقد ينهمك البعض في أدعية طويلة بعد صلاة المغرب لأجلهم.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة