حقائق مرة تطرب لها الشعوب العربية

 

قبل فترة وجيزة انتشرت صورة على وسائل التواصل الاجتماعي -وخاصة على تطبيق واتس آب- كالنار في الهشيم، تُظهر المساحات الحقيقية لدول العالم مقارنة بمساحات الدول العربية، وكان الهدف من هذه الصورة هو كشف حقيقة مرة مؤداها أن الغرب خدع الشعوب العربية حين قسّموا لهم بلدانهم بمساحات ضئيلة بعد اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 التي أُبرمت بين إنجلترا وفرنسا؛ لتقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية التي تآمر عليها زعماء العرب وقتها.

وأظهرت تلك الصورة مساحات البلدان العربية التي هي مساحات ضئيلة جدا مقارنة بمساحات دول غربية كانت مختارة بعناية، مثل روسيا وكندا والصين والولايات المتحدة الأميركية والهند وغيرها، وكان الكلام المر الذي كُتب تحت الصورة يقول "انظروا كيف خدعوكم وقطّعوكم وشرذموكم إلى بلاد صغيرة ضعيفة مقارنة ببلادهم الضخمة التي بلغت مساحاتها عشرات بل مئات أضعاف بلادكم"، وكانت تصلني هذه الصورة عدة مرات في اليوم على مدار أسبوعين تقريبا، في إشارة من المرسِلين بأنهم اكتشفوا أخيرا سر تأخرنا وذلنا وهواننا على الناس، وبأنها كانت مؤامرة دنيئة تعرضنا لها نحن العرب على مدار 100 عام.

لقد بذلتُ جهدا مضنيا وأنا أشرح للمرسِلين بأن هذا نوع جديد من أنواع جلد الذات، وبأن هذه الصورة يدعوك مَن اخترعها لأن تنام جيدا، وتُسلّم أمرك للدكتاتورية والفشل والفساد والضعف والفقر والتخلف والفُرقة والحروب والصراعات المذهبية والطائفية، فكل هذا سببه المساحات الضئيلة التي اقتسمها الغرب لبلادك، والمشكلة ليست مشكلتك ولا يوجد لها حل أبدا، وأن الأمر حُسم منذ 100 عام.

الأمر الأغرب من الخيال أعزائي القراء هو أنه -عقب انتشار هذه الصورة بفترة وجيزة- انتشر مقطع فيديو، لكن لم يلاق نفس الرواج الهائل بين العرب، وهو مقطع يدعوهم إلى العودة لجادة الصواب، وكان يتحدث عن بريطانيا، الجزيرة الصغيرة ذات 120 ألف ميل مربع، والتي حَكمت ثلثي الكوكب كإمبراطورية تربعت على مساحة 11 مليون ميل مربع طوال أغلب القرن الـ19، وكان تعداد جيشها وقتها لا يتعدى 200 ألف جندي متفرقين في جميع أنحاء العالم، وكانت بريطانيا لا تعتمد على القوة العسكرية للسيطرة على مساحات شاسعة من الكوكب ومئات ملايين البشر، ثم يسأل الفيديو سؤالا مهما للغاية، وهو كيف استطاعت جزيرة صغيرة كبريطانيا أن تسيطر على ربع سكان العالم؟ كان صانع محتوى هذا الفيديو يريد إبطال أثر تلك الصورة ربما.

 

لقد وضعت بريطانيا بعض السياسات والتكتيكات للسيطرة على الكوكب، فمثلا كان عدد المسؤولين الإنجليز الذين حكموا الهند قد بلغ ألف مسؤول فقط، وكانوا يتحكمون بأكثر من 400 مليون هندي، وفي أفريقيا كانوا 1200 مسؤول إنجليزي، وكانوا يتحكمون بكل مستعمرات أفريقيا التي امتدت من شمال القارة الأفريقية إلى جنوبها.

نجد تلك السياسات والتكتيكات -التي استغنت فيها عن القوة والعتاد- في كتاب المندوب السامي البريطاني في غرب أفريقيا، فريدريك لوغار، الذي نُشر أواخر القرن الـ19، حيث ذكر تلك السياسات، وكان أولها الحكم غير المباشر من خلال استعمال أصحاب النفوس الضعيفة من الزعماء المحليين وضمان ولائهم بالرشاوي المالية والألقاب وشراء ذممهم مع التخويف من الخلع من المنصب والعقاب؛ ليكونوا وكلاء للمستعمر البريطاني على حساب مصالح شعوبهم.

أما السياسة الثانية، فهي بناء جيوش عميلة، فمثلا كان في الهند جيش يتكون من 100 ألف جندي، لكنه كان يأتمر بأمر قادة خائنين يعملون لصالح بريطانيا التي كانت تأمرهم بقمع الهنود وقتل المطالبين بالاستقلال.

والسياسة الثالثة، هي صناعة طبقة من المتعلمين والمثقفين المبهورين بإنجلترا العظمى، عن طريق المدارس الإنجليزية التي كان يَدرس فيها أبناء الحكام والقادة والضباط وعِلية القوم، والذين كان يتم إعدادهم لوراثة وظائف آبائهم وعروشهم، بحيث تكون كل مرجعيتهم وأحلامهم هي إنجلترا العظمى البيضاء، فيقلدونها بجلودهم السوداء الداكنة التي تُشعرهم دائما بالنقص لبريطانيا ولكل شيء فيها، لكنهم ينظرون باحتقار لشعوبهم ولعاداتهم؛ لأنها غير مشابهة لسيدتهم إنجلترا العظمى.

 

لقد استعبدت بريطانيا العقول التي ضمنت لها استعباد الحكام والمثقفين والقادة والجيوش ومن ثم الاقتصاد والسياسة، وما زال هناك شعوب عريضة -ومن ضمنها شعوبنا العربية- تعيش اليوم حبيسة القرن الـ19، ولم تتخلص بعد من عقدة الاستعمار، وقد تطورت هذه العقدة اليوم وجعلت من الشعوب تبحث عمّا يساعدها على جلد ذاتها، وما يساعدها على النوم أكثر فأكثر، لنجد أن ذلك الفيديو -رغم انتشاره- لم ينتشر كالنار في الهشيم كتلك الصورة التي تبعث على الذل والضعف واليأس.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة