الأتراك قادمون

 

يمكن تصنيف تصريحات الفيلسوف والسياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما الأخيرة -والتي أشاد فيها بالقدرات النوعية التي حققتها تركيا في مجال صناعة الطائرات المسيرة- في سياق حالة المنافسة التي أظهرتها الصناعات العسكرية التركية أمام مثيلاتها الإسرائيلية والأميركية في العالم.

وهذا الأمر لم يكن فوكوياما وحده مدركا لتأثيراته في صناعة النفوذ على مستوى المنطقة التي لطالما اعتبرت ضمن حاضنة الأمن القومي الأميركي، بل أيضا معهد بيغن-السادات الإسرائيلي فسره في سياق رد الفعل التركي تجاه حرمان أنقرة من الطائرات المسيرة الإسرائيلية، الأمر الذي دفعها للاعتماد على نفسها، وجعلها خلال عقد من الزمان تكون أحد أكثر المنافسين شراسة في هذه الصناعة.

 

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020 وعقب ظهور دور بارز للطائرات بدون الطيار التركية في معارك تحرير "قره باغ" أعلنت الحكومة الكندية وقف تصدير بعض القطع المستخدمة في تصنيع الطائرات المسيرة التركية إلى أنقره، هذا القرار دفع شركة "بيرقدار" المصنع الرئيسي لهذا النوع من الطائرات إلى عقد شراكة مع شركات تكنولوجيا محلية لتعويض القطع المستوردة من كندا.

وهذا الأمر يظهر جليا أن دائرة النفوذ الغربية التي كانت تحد من طموحات تركيا خلال العقود الماضية أضحت جزءا من الماضي مع خروج أنقرة من عباءة التبعية العسكرية، وجعلها أكثر قدرة على توسيع دائرة تحالفاتها الخارجية، فبعد أيام من فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها إسماعيل دمير أعلن تمل كوتيل المدير العام لشركة الصناعات الجوية-الفضائية التركية "توساش" عن قدرة الشركة التركية على تصنيع مقاتلات "إف-35" (F-35) الأميركية المتطورة.

وأشار إلى جملة من المشاريع التي تعمل عليها الشركة وهي "إنتاج 3 طائرات و6 مروحيات وطائرتين مسيرتين وطائرات "هدفية" مع مشاريع تتعلق بإنتاج الأقمار الصناعية".

وهذا الأمر -الذي يتوافق مع رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- حول تركيا من عضو خادم للأمن القومي للكتلة الغربية باعتبار بلاده تمثل الكتلة البشرية الكبرى التي يعتمد عليها حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) في ضمان أمنه الإقليمي- سواء بالوقوف في وجه التوسع السوفياتي سابقا أو خفض تأثير الصراع  السوري على تلك الكتلة- إلى مركز تأثير وثقل في الصراعات العالمية والإقليمية.

 

 

لكن سابقا لهذا الانخراط التركي في مساحات التأثير العالمي كانت هناك مجموعة محطات أثرت كثيرا في دفع تركيا إلى تجاوز سياسات رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والتي اعتمدت على تصفير المشاكل مع دول الجوار.

وأولى هذه المحطات هي خسارة تركيا فرصة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 بعد فشل جهودها في توحيد قبرص وانضمام الجزيرة إلى الاتحاد الأوروبي وتحولها إلى لاعب مناهض لتركيا داخل الكتلة الأوروبية.

وهذا الأمر دفع كلا من ألمانيا وفرنسا لمصادمة طموح تركيا بالحصول على عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي، وبذلك تحول البرنامج السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم للمزيد من الإرباك، لكن مع انطلاق "الربيع العربي" تجددت الآمال والفرص أمامه ليجد حاضنة أوسع لتحركاته السياسية تمنحه فرصة قد تكون أكبر من سقف طموحاته، إذ انخرط بالحديث عن الموروث الإسلامي لتركيا وعمقها ومناطق نفوذها العثمانية، وشكل ذلك بديلا مثاليا للنقيض الأوروبي.

وشكلت تلك الظاهرة انقساما واضحا بين نهج المنظومة الغربية بكاملها -وعلى رأسها الولايات المتحدة- ونهج وبرنامج تركيا الذي أصبحت وجهته دعم مشاريع الثورات التي مثلت فرصة كبيرة لتصدير أحزاب وجماعات الإسلام السياسي للسلطة وإضعاف المنظومة السلطوية التي كانت أكثر قربا من النهج الأميركي الذي أظهر بوضوح وقوفه إلى دعم الأوتوقراطية العربية من خلال دعم الانقلاب الذي تم في مصر ضد الرئيس الراحل محمد مرسي.

لكن تلك الأحداث كانت بمثابة جرس انطلاق للكثير من التحولات التي مثلت دافعا لتوسيع دائرة نفوذ تركيا وانغماسها في سياسة حافة الهاوية، فقد اندفعت إلى احتضان حركة حماس الفلسطينية، وزادت نهجها الداعم للقضية الفلسطينية عبر إرسال سفن كسر الحصار، ودخلت في مواجهة دبلوماسية كبيرة مع إسرائيل كلفتها قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين.

وتسببت محاولات واشنطن لدعم قوات سوريا الديمقراطية الكردية بهدف إنشاء دولة في الشمال السوري بعملية عسكرية تركية أظهرت أمرين، الأول قدرة تركيا على تحقيق نجاحات عسكرية على الأرض بعد عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات، وإفشالها المشروع الكردي المدعوم من الكتلة الغربية.

والأمر الآخر هو الوصول إلى نقطة الحسم في تحديد أولويات تركيا المستقبلية على صعيد توسع دائرة العمل والنفوذ الإقليمي، فبعد إسقاط طائرة حربية روسية على الحدود بين سوريا وتركيا عام 2015 وقتل السفير الروسي في إسطنبول استثمرت تركيا هذه الأحداث ببراعة لزيادة التواصل مع الروس لاحتواء الوجود الأميركي في سوريا، ونجح هذا الأمر بالفعل إلى أن وصل لانسحاب شبه كامل للجيش الأميركي من سوريا.

وهذا الأمر تم تفسيره في سياقين، الأول هو استثمار الأزمة السورية بقدر أكبر لاستنزاف خصمين كبيرين للكتلة الغربية هما تركيا وروسيا، أما الآخر فهو نجاح تركيا في اختبار جرأة صانع القرار الأميركي وحدود مساندته لمشاريعه في المنطقة.

 

 

والأمر الأخير دفع تركيا للتحرك بمساحة أكبر جرأة في مواجهة الكتلة الغربية في أزمة المتوسط، وكذلك دفعها للوقوف إلى جانب أذربيجان في أزمة "قره باغ"، وكذلك جعلها تلعب دور البديل عن الحليف الأوروبي لأوكرانيا بعد توقيع اتفاقيات تعاون عسكري وتزويد الجيش الأوكراني بطائرات مسيرة، وكل ذلك أظهر دورا نديا لها مع روسيا التي ترى في تركيا خصما إقليميا أقل ضررا من الإمبريالية الأميركية.

 

ومع تصاعد تأثير تركيا في المساحات الفارغة التي أنتجها التصارع الصيني الأميركي على مستوى العالم وجدت تركيا فرصة كبيرة للتحرك ومحاولة ملء الفراغ، وهذا الأمر انعكس أيضا على العالم الإسلامي، ولا سيما في أزمة ليبيا التي كان لتركيا الدور الأبرز لتقريب فرص الجلوس على طاولة الحوار بعد دعمها العسكري للحكومة الشرعية وإفشال محاولات خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس، وكذلك فرض نفوذها البحري في شرق البحر المتوسط وإفشالها جهود اليونان وإسرائيل في هذا السياق الذي دفع مصر إلى الحديث مع تركيا لإعادة جدولة أولوياتها في هذه الأزمة.

 

ولعل المصالحة المصرية التركية تكون بارقة أمل أمام تقارب سعودي تركي مدفوعا بالكثير من الضعف في الموقف الأميركي تجاه قضايا المنطقة -ولا سيما في ما يتعلق بالصراع الإيراني السعودي- خصوصا الملف اليمني، وتعاظم مخاطر المليشيات الإيرانية الموجودة في العراق على الأمن القومي السعودي دون إيجاد أي تحرك أميركي جاد للجم تلك المليشيات، فنقطة الخلاف التي يجري تداولها بين المملكة العربية السعودية وتركيا تتعلق بدعم الأخيرة جماعة الإخوان المسلمين والخطاب السياسي التركي المتعلق بالإرث العثماني.

لكن يمكن اعتبار هذا النوع من الصراع هو مجرد واجهة لحالة التنافس التي تجري من المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا على مستوى العالم الإسلامي، سواء فيما يتعلق بنشر الموروث الديني أو النفوذ السياسي.

وهذا الأمر قد نجد ملامحه في الكثير من الدول العربية والإسلامية، وتمثله جماعات ضغط وأحزاب سياسية ورموز فكرية وثقافية ونخب سياسية لكن مع السياسات الجديدة التي تتبعها الإدارة الأميركية في ما يتعلق بالتقارب مع إيران وسعيها الجاد لتبني مساحة عمل مشترك في المنطقة بين واشنطن وطهران.

 

وهذا الأمر تحدثت عنه بوضوح دراسة نشرها معهد واشنطن مؤخرا ذكر فيها ضرورة مناقشة آليات مشتركة لضمان الحفاظ على المصالح الأميركية في حال سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية في اليمن على مدينة مأرب آخر مناطق نفوذ الحكومة اليمنية في الشمال، وزيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن لإسرائيل، والتي أكدت الصحافة الإسرائيلية أن الهدف منها الضغط على الدولة العبرية للقبول بالمعادلة الجديدة لتوقيع اتفاق نووي يلبي طموحات جميع الأطراف.

 

ومع كل ذلك، فإن المملكة العربية السعودية لم يعد أمامها خيارات بشأن الانخراط في المصالحة المصرية التركية والبحث عن طرق جديدة لمقاومة النفوذ الإيراني على حدودها، ولا سيما أن تركيا تمتلك علاقات قوية مع حزب الإصلاح اليمني الذي يعد أحد أبرز أطراف الصراع في جبهة الجيش الوطني اليمني، وكذلك لها نفوذ واسع في العراق وتتحرك عسكريا فيه وفق اتفاقيات تعاون دفاعي مع الحكومة العراقية، وكذلك يمكنها مساعدة السعودية في التقنيات الدفاعية والطائرات المسيرة لحماية حدودها الجنوبية.

وقد يكون أبرز محفزات هذا التصالح التنافس المشترك مع إيران، فرغم وجود مصالح إيرانية تركية مشتركة في مجال الطاقة والنفط والتجارة ووجود قيم مشتركة ضد المشروع الكردي الذي يهدد وحدة أراضي البلدين فإن إيران وتركيا دخلتا في موجة توتر منذ 2018، حيث قلصت أنقرة وارداتها من النفط الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وأدى "الضغط الأقصى" الذي مارسته واشنطن على طهران إلى تقليص قدرة إيران على شراء البضائع التركية.

وهذا الأمر جاء عقب توتر بين البلدين بسبب الأزمة السورية، فإيران تعد داعما رئيسيا للنظام، فيما تدعم تركيا المعارضة، كذلك تمارس أنقرة عملية توسيع لنفوذها بين مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى على حساب النفوذ الإيراني، فقد اهتزت روسيا وإيران بسبب هذا الأمر لأن مناطق النفوذ التركي تعد سابقا جزءا من الإمبراطوريتين الروسية والفارسية.

 

وكذلك مثل موقف تركيا من الصراع الأذربيجاني الأرميني في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ذروة التناقض التركي الإيراني، فقد نجحت أنقرة في زيادة رصيدها في البلدان ذات القومية التركية، ومنحها فرصة لتدشين ممرات تجارية بديلة بين دول وسط آسيا وأوروبا لتجاوز الممرات الحالية التي تحتكرها روسيا وإيران.

كذلك انزعجت إيران من قصيدة ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء حضوره عرضا عسكريا في باكو للاحتفال بانتصار أذربيجان على أرمينيا، دعا فيها لتوحيد مقاطعتين إيرانيتين تسكنهما أغلبية أذرية، فقد فسرت طهران هذه الخطوة بأنها دعوة صريحة لتحريض الإيرانيين من أصول أذرية على الانفصال.

لذلك، يمكن النظر إلى العلاقات الإيرانية التركية على أنها نقطة فارقة في تحديد آليات العمل المشتركة بين المملكة العربية السعودية خصوصا، والمنطقة العربية عموما للحد من طموحات إيران في المنطقة على حساب أمنها الإقليمي، فسيطرة إيران على اليمن تهدد الملاحة في البحر الأحمر، واستمرار تأثيرها العسكري في العراق يهدد أمن الخليج العربي والأردن ويجعل مشروع الهلال الشيعي -الذي لطالما تحدث عنه الملك عبد الله الثاني- أبرز عوامل تهديد استقرار المنطقة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة