المثل الأعلى للعمل الاجتماعي والدعوي!

 

الدكتور الشيخ سليمان ربيع (1911-1988) هو بلا جدال أبرز العلماء العاملين في مجال الخدمات العامة والاجتماعية، فقد أنجز وحده ما عجزت مؤسسات كاملة عن إنجازه، وضرب المثل الأعلى لنشاط العلماء العاملين في المجتمع في عصر الشمولية، فتمكن من قيادة جمعية الخلفاء الراشدين التي أسسها، واستطاع من خلالها إنشاء 15 مسجدا متميزا في حي مصر الجديدة تمثل بكل وضوح فكرة المسجد الجامع ذي المعمار الفائق الأصيل والحديقة المحيطة المهندسة والمئذنة المتميزة، والمحاط بعد هذا كله بمؤسسات الخدمة الاجتماعية، مع التعبير الواضح والذكي عن جماليات العمارة الإسلامية، وروعة البناء المخلص، واختيار الموقع المؤثر.

ولم يصل أحد في وطنه إلى ما وصل هو إليه من التعبير الحي المتحقق في الحياة عن فكرة المسجد الجامع في حي كامل، وهو ما جعلنا حين كنا نؤلف كتابنا عن الأزهر الشريف والإصلاح الاجتماعي والمجتمعي نراه قد مثّل نموذجا تعدى الإصلاح إلى التحقق على أرض الواقع.

نعم، فقد ضرب الشيخ سليمان ربيع مثلا قابلا للاحتذاء من دون أن يكون مرتبطا بوجوده هو نفسه وإن كان وجوده وشخصه هما القاسم الأكبر في النجاح، وقد مكنه هذا من التأثير في مجتمعه تأثيرا كبيرا بفضل ما أتيح له من مصداقية عالية، ومن حب الجماهير والمستفيدين من خدمات جمعيته على حد سواء.

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الشيخ سليمان ربيع في قرية كفر براش بمركز مشتول السوق التابعة لمحافظة الشرقية في 24 يوليو/تموز 1911، وتلقى تعليما دينيا بدأه بحفظ القرآن حيث أتمه قبل أن يكمل الـ11، ثم درس بمعهد الزقازيق، ثم التحق بكلية اللغة العربية، وتخرج فيها في دفعة مبكرة  1938، ثم واصل دراساته العليا حتى حصل على درجة العالمية من درجة أستاذ المعادلة لدرجة الدكتوراه في الأدب العربي (1944).

وهو في التاريخ الأكاديمي واحد من اللاحقين بالأستاذ الدكتور الشيخ محمد نايل (1909-2011) الذي قضى حياته هو الآخر أستاذا للأدب في كلية اللغة العربية وعميدا للكلية وعضوا في مجمع اللغة العربية، وقد أتيح له عمر أطول بكثير من عمر الشيخ سليمان ربيع، ومن أساتذة الأدب في هذا الجيل الدكتور حسن جاد (1914-1995)، ومن أساتذة النحو واللغة الدكتور محمد رفعت فتح الله (1912-1984) الذي وصل إلى عضوية مجمع اللغة العربية عام 1979، والدكتور إبراهيم البسيوني (1911-1195) الذي وصل أيضا إلى عضوية مجمع اللغة العربية في 1992، والدكتور عبد العظيم الشناوي (1911-1991)، والدكتور إبراهيم نجا (1913-1981).

وكان هذا الجيل من الحاصلين على العالمية بدرجة أستاذ قد تعرضوا لظلم الدكتور محمد البهي وتعسفه غير الواعي حين تولى منصب مدير الجامعة الأزهرية، حيث كان حريصا على أن يؤخر مكانتهم ليُمكن لشهادات الدكتوراه الغربية وللحاصلين على شهادات الدكتوراه الغربية، بحيث تسبق الدرجات الغربية هذه الدرجة الأزهرية العلمية الوطنية التي كان الحاصلون عليها قد ناقشوا بالفعل رسائل علمية اشترك في مناقشتها أساتذة الجامعات المصرية من خارج جامعة الأزهر، وشغلوا بها المناصب العلمية والأكاديمية في الكليات الأزهرية وقاموا بها خير قيام.

وظائفه الأكاديمية والعلمية

عمل الدكتور سليمان ربيع بالأستاذية في كلية اللغة العربية، وتدرج في المناصب الأكاديمية حتى صار عميدا لكلية اللغة العربية بالزقازيق، وعلى مدى تاريخ خدمته زار سليمان ربيع معظم الدول العربية والإسلامية محاضرا وداعية، وكانت له مكانته العلمية في نفوس الكثيرين، وسجلت إذاعات عديدة أحاديث له.

قيمة إنجازه

نجح الشيخ سليمان ربيع من خلال جمعية الخلفاء الراشدين في تحقيق أمثلة بارزة على تحويل المسجد إلى جامعة شاملة لأنشطة الثقافة والتوعية الدينية والفكرية، والعلاج، والتعليم، والخدمات الاجتماعية، وكان يبذل جهدا كبيرا لمقاومة الدعوات الهدامة والمذاهب المتحللة، وقد أقام مشروعات ناجحة أنعشت حياة الكثيرين من خلال هذه الجمعية التي كانت بمثابة مؤسسة اجتماعية وثقافية ودينية بحي مصر الجديدة وقد حملت اسم "جمعية الخلفاء الراشدين" (1965).

الجمعية التي أتمت بناء 15 مسجدا نموذجيا

أتم الدكتور الشيخ سليمان ربيع من خلال جمعية الخلفاء الراشدين بناء 15 مسجدا في حي مصر الجديدة، وألحق بكل مسجد دورا للعلاج، وحضانة للأطفال.

حقق المثل الأعلى لتعاون المجتمع مع جمعية أهلية

لقي الدكتور الشيخ سليمان ربيع ضروبا من التعاون مع أهل الإيمان الذين كانوا ينتظرون الفرصة ليسارعوا في الخيرات.

معاناته مع السلطة

كان من المألوف أن يعاني هذا العلامة من أصحاب المصالح ورواد الإفساد بسبب نشاطه الخيري المنتج، وقد أبعد بالفعل عن رئاسة جمعية الخلفاء الراشدين حتى أنصفه القضاء وعاد إلى أداء رسالته.

توسع أنشطة الجمعية في المجالات الخدمية

بذلت جمعية الخلفاء الراشدين جهودها في رعاية الفقراء والمساكين والمحتاجين من أبناء المنطقة، كما أنشأ الدكتور الشيخ سليمان ربيع مستشفى خيريا كبيرا ضم الأطباء في جميع التخصصات العلاجية، وأحدث الطرق العلاجية للأمراض المزمنة، خاصة مرض الفشل الكلوي، حيث استورد جهازا للغسيل الكلوي ليكون بأسعار مخفضة ومتاحة للمرضى.

إنشاء دار للمناسبات

كان للشيخ سليمان ربيع الفضل في إنشاء أول دار للمناسبات هي تلك الدار الشهيرة في شارع الحجاز المعروفة بأنها بجوار حديقة الميريلاند، وكانت تحجز بأسعار زهيدة لتشييع الجنازات والعزاء مع خدمات تقدمها سيارات الجمعية.

كذلك ألحق سليمان ربيع بالدور العلاجية مبنى للمسنين الذين لا يجدون من يقوم بخدمتهم، فأتاح لهم الراحة الكاملة من خدمات ومعاشات يومية.

إنشاء معهد الفتيات

أنشأ الدكتور الشيخ سليمان ربيع معهدا كبيرا للفتيات في قلب حي مصر الجديدة في شارع السباق وضمه للأزهر، وهو المعروف الآن بمعهد الفتيات في مصر الجديدة.

مؤلفاته

قدم الدكتور الشيخ سليمان ربيع للمكتبة الإسلامية مؤلفات عديدة في مجالات الدعوة، وكتبا أخرى في تاريخ الأدب العربي، أشهرها عن حياة أمية بن أبي الصلت، وفي الأدب العباسي، وفي الأدب الأموي.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة