الإمام العظيم الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي

 

شيخ الأزهر الذي عاصر ثورة 1919 فجعل الأزهر معقلا لها

مكانته في تاريخ النهر الأزهري

الشيخ العلامة محمد أبو الفضل الجيزاوي (1847-1927) هو الشيخ الثامن والعشرون للجامع الأزهر، وهو صاحب الولاية الثانية والثلاثون، وينشأ الفارق من حسبان مرة واحدة في الترتيب لكل من تولى المشيخة أكثر من مرة، ذلك أنه كان ممن سبقوه إلى تولي المشيخة كل من الشيخ المهدي العباسي، والشيخ الإنبابي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ سليم البشري، وقد تولاها كل منهم مرتين، وهذا هو سر الاختلاف في كتب عن كتب وفي نصوص عن نصوص.

تولى الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي مشيخة الأزهر ما بين 1917 و1927، وما بين الشيخين سليم البشري في مشيخته الثانية والشيخ المراغي في مشيخته الأولى، إذ كان كل من سلفه وخلفه من المشايخ الستة الذين تولوا المشيخة مرتين.

هو واحد من أبرز العلماء في جيل الشيخ محمد عبده (1849-1905)، لكنه لم يتول المشيخة إلا بعد وفاة الشيخ محمد عبده باثني عشر عاما، وقد امتد به العمر حتى بلغ الثمانين، وإن كان عمر سلفه الشيخ سليم البشري قد امتد إلى الخامسة والثمانين، على حين أن خلفاءه الثلاثة توفوا في الخامسة والستين أو قبلها، وقدر له أن يعيش شيخا لسنوات فاقت من سبقوه من هذا الجيل الذي تولى ستة منهم المشيخة منذ 1896 وحتى 1927 (النواويان والبشري والببلاوي والشربيني)، وقدر له أن يتوفى وهو شيخ، وهو ما لم يتح لعدد من أسلافه.

وقد كان الشيخ الجيزاوي أكبر في السن من عدد من أسلافه في مشيخة الأزهر (وكان هذا شبيها بما حدث في ولاية الأمر نفسها، إذ كان السلطان حسين كامل (ولد 1853) أكبر من سلفه الذي هو ابن شقيقه الخديو عباس حلمي (ولد 1874).

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي سنة 1264 هـ (1847 م) في قرية معروفة وقريبة من القاهرة هي وراق الحضر التابعة لمركز إمبابة بمحافظة الجيزة، ونشأ بها، وتلقى تعليما دينيا تقليديا، بدأ في الكتاب بمبادئ العلوم وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر، وتلقى العلم على عدد من كبار علماء عصره كالإنبابي شيخ الأزهر، والشيخ محمد عليش، وعلي مرزوق العدوي، وإبراهيم السقا المشهور بأبي المعالي، وشرف الدين المرصفي، ومحمد العشماوي، ومحمد الفضالي الجرواني وغيرهم.

وفي حوالي سنة 1871 أذن له شيخه محمد الإنبابي شيخ الأزهر الثاني والعشرون بالتدريس، وكان التدريس في هذا الزمن جاريا على طريقة الاستئذان، واستمر كذلك حتى تم تطوير نظام التخريج والاعتماد في 1872 في عهد ولاية الشيخ المهدي العباسي الثانية.

لمعانه في تدريسه الأزهري

عمل الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي بالتدريس في الجامع الأزهر، وظهرت موهبته وأخذ عنه كثير من علماء العصر، وكان قد اشتهر في شبابه بأنه كتب رسالة في البسملة وحديثها المشهور، وقرأها بحضور كبار العلماء والطلبة في زمن الشيخ العروسي شيخ الأزهر العشرين.

اختياره وكيلا للأزهر

وفي سنة 1907 عيّن الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي وكيلا للأزهر الشريف (عين الشيخ حسونة شيخا للأزهر للمرة الثانية 1907- 1909)، ثم أصبح الشيخ أبو الفضل الجيزاوي شيخا لعلماء الإسكندرية، حين توجهت الدولة والأزهريون لرفع مقام معهد الإسكندرية ليكون بمثابة جامعة إقليمية موازية للأزهر في القاهرة، وعندما ترك الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر منصبه اختاره السلطان حسين كامل شيخا للأزهر لأنه كان أكبر العلماء سنا وفضلا، وكان (بالفعل والأمر الواقع) الشخصية الأولى بعد الشيخ سليم البشري.

ثورة 1919

وفي أثناء توليه المشيخة اندلعت ثورة 1919، فكان موقفه منها نموذجيا حتى إن الجامع الأزهر سرعان ما أصبح معقلا للخطباء والشعراء والمتظاهرين من جميع الطبقات، ثم أصبح مركز الثورة وقلبها.

إنجازاته في المشيخة

لما تولى الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي مشيخة الأزهر بدأ -رغم سنه المتقدمة- جهوده في تطوير نظمه، وذلك على الرغم من الأحوال السياسية المضطربة في ظاهرها، وقد انتصر في كل المعارك التي دخلها في ذلك الوقت، وهي معارك عديدة في الفكر والمجتمع والتعليم والتوظيف، وكانت هذه الانتصارات بفضل روح النهضة التي أوجدتها ثورة 1919 وشارك الأزهر بقيادة الجيزاوي في تحقيقها.

رياسته لمؤتمر الخلافة الإسلامية

عقد مؤتمر الخلافة في القاهرة في عهد الملك فؤاد، وكلف الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي برياسته، لكنه لم يتورط في تزكية الملك فؤاد ولا في شق صف المجتمعين في ذاك المؤتمر. كان هذا المؤتمر المصري قد انعقد في محاولة جادة (لكنها غير قوية) للعمل على إعادة الخلافة الإسلامية، وقد عقد المؤتمر الذي طمست آثاره باسم "الهيئة العلمية الدينية بالديار المصرية"، وتولى مناقشة قضية مستقبل الخلافة، والتفكير في الدعوة للمؤتمر الإسلامي العالمي لجميع المسلمين.

انعقد ذلك المؤتمر في يوم الثلاثاء 19 شعبان سنة 1342 هـ، تحت رئاسة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، وبعضوية كل من: رئيس المحكمة العليا الشرعية الشيخ محمد مصطفى المراغي، ومفتي الديار المصرية الشيخ عبد الرحمن قراعة، ووكيل الجامع الأزهر الشيخ أحمد هارون، وشيوخ المعاهد الدينية الكبرى: الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (طنطا)، والشيخ محمد عبد اللطيف الفحام (الإسكندرية)، والشيخ عبد الغني محمود، والشيخ إبراهيم الجبالي.

قيمته العلمية

كان الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي واسع الاطلاع في العلوم الأزهرية والفلسفية، وفي فلسفة تاريخ الإسلام، والتمدن الإسلامي.

ذريته

كان من أبنائه الشيخ محمد أمين أبي الفضل، والشيخ أحمد حنفي الذي كان من رجال الإدارة، ثم كان عضوا في مجلس الشيوخ عن دائرة الجيزة.

آثاره

  • الطراز الحديث في فن مصطلح الحديث.
  • تقرير على كتاب ابن الحاجب في الأصول.
  • رسالة في البسملة وحديثها المشهور.

وفاته

توفي الشيخ أبو الفضل الجيزاوي سنة 1346 هـ (1927 م) بالقاهرة، ودفن بها، وبقي منصبه شاغرا مدة سنة تقريبا إلى أن خلفه في مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي (المولود 1881).

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة