سؤال التنوير في كتاب "المرآة"

 

سنحاول من خلال كتاب "المرآة" لحمدان خوجة أن نناقش إشكالية صراع النماذج وتدافعها، فحمدان خوجة حاول قدر الإمكان وضع مقارنة تاريخية بين الفرنسي الغازي للجزائر وبين الفرنسي المتمدن الموجود بفرنسا، وهذه المقاربة كانت نتاج رحلته لفرنسا سنة 1833م، حيث اكتشف وجهين لفرنسا، فرنسا الاستحمارية وفرنسا الحَضارية، فحاول من خلال تلك الصّورة أن ينقل رسالةً للمجتمع الفرنسي المدني، لينبههم إلى تلك الصورة المتناقضة عنهم، وأن التنوير ذو وجهين، تنوير أدى إلى تطوير أوروبا، وآخر أدى إلى تأسيس حركة الاستحمار.

لقد اكتشف بالفعل تناقضا بين رسالة التنوير لفلاسفة فرنسا، وبين فعل التحقير لساستها وقادتها العسكريين؛ وهو هنا لا يختلف عما حدث للطهطاوي بعده بثمانين سنة، فلقد اكتشف حمدان خوجة في فرنسا دولة قوية ومنظمة تنظيما جيدا، قال عن هذه المدنية الراقية: "وفي أثناء رحلتي إلى أوروبا، درست مبادئ الحرية الأوروبية التي تشكل أساس الحكم التمثيلي والجمهوري، ووجدت أن هذه المبادئ كانت تشبه المبادئ الأساسية لشريعتنا إذا استثنينا فارقا بسيطا في التطبيق"، وعليه فكل من يدرك الشريعتين إدراكا صحيحا يستطيع الموافقة بينهما، وأعتقد أنه لن يتمكن من إنكار هذه الحقيقة. وهناك أحد المبادئ الأساسية في شريعتنا يقول: (تترتب عن الزمن وحاجات الإنسان ظروف لم تتوقعها القوانين، ولذلك يجب على المشرع أن يتفهم الضرورات ويعمل على إيجاد كيفية حكيمة لتطبيق هذه القوانين). لكن من سوء الحظ أن سائر الملوك يجهلون مبادئ هذه القوانين، مما يجعل أوروبا تنتقد تشريع الشرق.

 

ولو أن السّادة المتحررين كانوا يعرفون مبادئ قوانيننا معرفة جيدة، ويدركون مدى الحرية التي تتسم بها مؤسساتنا، لكان من الممكن أن نجد فيهم مساعدين بدلا من أعداء كما هو الشأن الآن".

ثم تعرض لمسألة أكثر أهمية في مجال الحضارة، وهي أن لكل عصر متطلباته وخصائصه الجديدة، وحين ظهور عادة حديثة وجب التَّخلي عن القديم والتَّليد، والذي أغلبه يمس الفروع لا الأصول.

 

لم تكن مهمته أثناء الرحلة اكتشاف فرنسا وحضارتها، بل كان همه الأول هو تبليغ رسالة للفرنسيين عن خطورة القضية الجزائرية، وأن فرنسا التي قام شعبها بثورة في القرن الثامن عشر من أجل الانعتاق والحرية لا يمكن أن يرضى بأن يُهين شعبا ويسلبه حريته: "إن مسألة الجزائر مسألة خطيرة لأنها تخص حياة أمة بأجمعها، تتكون من 10 ملايين نسمة، وهي الآن، من سوء الحظ، في نقصان يتزايد من يوم لآخر بسبب الحرب، والبلاد يقودها الظلم والطغيان مند 3 سنوات".

 

دخل في سجال مع بعض المثقفين الفرنسيين الذين دافعوا عن فرنسا ومشروعها الاستعماري، محتجا على عدم عقلانية مشروعهم من خلال الممارسات الفرنسية المتناقضة مع أسس مشروعها الحضاري، وأعطى مثالا رائعا عن ذلك التناقض، فباسم الحضارة والتّقدم ومبادئ عصر التّنوير تم مد يد العون للدول الأوروبية من أجل أن تنهض وتتقدم، عن طريق سلب بلد غير أوروبي: "إنكم تعطون الملايين لليونانيين وللبولونيين!!.. وتنجدون تلك الشعوب بأموال الجزائريين!! إنكم تستغلون هذا البلد المسكين، ومع ذلك، فإن الجزائريين، أيضا، أناس!! .. ما هي الذنوب التي اقترفوها لتسلط عليهم مثل هذه العقوبات؟؟.. وبالتالي، ما هو في هذه الظروف موقف الحكومة الفرنسية؟ لقد كان من الأفضل أن تحجم الحكومة عن تقديم تلك المساعدات ما دامت تتسبب في شقاء مواطنيها. وكيف يمكن أن نفترض أنه لم يتفطن أحد لهذه الوقائع؟ لا، بكل تأكيد، وأن التاريخ سيسجل كل هذه الأعمال الشريرة!! أيحق أن نعتقد بأن النّاس لا يصلحون؟ إن أخطاء القرن السادس عشر، وزلات المستبدين تتكرر في أيامنا هذ، لماذا؟ لأن الناس احتفظوا بأهوائهم الذميمة التي ورثوها عن آبائهم، وعلى الرغم من أن الإمبراطوريات أصبحت تحكم بكيفيات مختلفة، فان النتائج لا تزال واحدة.. فالجريمة المسموح بها تبقى جريمة، وعند الملوك حل الضعف محل الطغيان.

 

وهكذا، إذن، إذا كان وكيل الأمة يقوم بأعمال تثير الظنون، وإذا كان سلوكه مشبوها ومطبوعا بضعف مخز، فما هي الطريقة التي تقدمه بها ليتمكن المعاصرون من تقييمه؟".

إنها بالفعل صورة صادمة ومؤلمة، فرنسا التي حاربت الاستبداد والقمع، وعملت على سن القوانين والشرائع التي تضمن كرامة الإنسان وفق شعاراتها الثلاثة: حرية، أخوة، مساواة، تعمل في الضفة الجنوبية على قهر واستعباد شعب أطعمها حين جاعت بقمح أرضه، وأدفأها بصوف غنمه وجلود بهائمه، فردت له الجميل بالقتل والفتك، فحولت تربته الطاهرة إلى أنهار من الدم.

اكتشفنا من خلال ما كتبه حمدان خوجة صورة المثقف العضوي الذي يُناضل بكل ما أوتي من قوة عن قضايا أمته، ويبدو من خلال كتاب "المرآة" أننا أمام رجل محنك، وسياسي بارع، ومثقف متنوع المشارب، فلم يكن أسلوبه مجرد وصف لباريس، بل كانت الرحلة ذات مقصد إنساني ووطني.

 

لقد قدم عملا شبيها بما قدمه ابن خلدون حين درس المجتمع العربي أنثروبولوجيا، فحمدان خوجة من خلال الكتاب الأول قدم دراسة أنثربولوجية للمجتمع الجزائري، تجعل القارئ يتخيل صورة المجتمع آنذاك، حيث استطاع أن يرصد أبسط التفاصيل: اللباس، الأكل، النزاع، الزواج، والعمارة..

ومن جهة أخرى وهو بباريس، نقل لنا مظاهر التطور والتقدم. واستطاع أيضا أن يُخاطب الفرنسيين بأقوال الفلاسفة والتنويرين، فلقد ذكر في أحد فصوله مقولة لفيلسوف فرنسي يتحدث عن حقيقة الإنسان، حيث اقتبس مقولة مفادها: "إن كل جملة تُصاغ بعبقرية تدل في الوقت نفسه على الجوهر وعلى مساوئ الإحساس، إن الإنسان الذي يقلقه الحب يكون ملكا لشعوره، ولا يهتم على الإطلاق بالكيفية التي يعبر بها عما يخالج نفسه، إن التعبير الأكثر بساطة هو قبل كل شيء ذلك الذي يفهمه"[4].

ويمكن القول في الأخير إن أدب الرحلة لا ينبغي أن يكون وصفا لما يشاهده الرحالة من غرائب الأمور، ومن عجائب المخلوقات، بل يجب أن يتحول إلى أدب يحمل هموم المؤلف، فيقارب بين الحقائق، ويحاول قدر الإمكان عدم الاغتراب والاستلاب، فالآخر مهما كان نوعه أو جنسه هو مجرد أخ في الإنسانية، وشريك في النهضة البشرية، فالعالم كله محكوم عليه بالتعارف والتآلف، والتّجاور والتّحاور، والابتعاد عن التّقاتل والتّناحر.

 

ولعل الرسالة القوية لحمدان خوجة هي ضرورة أخذ الأمة الجزائرية (الإسلامية) بأسباب القوة، التي انتزعتها أوروبا بفعل إيمانها بحركة التنوير. وأن التنوير مطلب حضاري، لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل التنوير من أهم مبادئ الإسلام، وأن الأمة سر تطورها في مدى استعمالها للعقل، ومدى فهمها للنقل، وليس التمسك بالنقل فقط هو السبيل إلى الحضارة، بل الفهم السليم والفعل القويم، فالحضارة هي حضارة عقل وفعل، وليست حضارة إرث مُحنط، وفعل مُقلد.

إن الغرب ليس عبقريا، بل هو تلميذ ذكي، استفاد من الدرس التاريخي، واستطاع أن يكتسب أسباب القوة التي فقدها غيره، والحضارات كالدول، تتعاقب من غير ثبات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة