الإخوان والسيسي.. مصالحة أم استسلام؟!

 

هل تعلم بأن أنور السادات بدأ بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وغالبيتهم من الإخوان المسلمين، في 1971 ولم تكتمل الإفراجات إلا في 1974، حيث كان يفرج عنهم بالتنقيط الممزوج باستعراض إعلامي، بأنه يفرج عن سجناء هم ضحايا جمال عبدالناصر.

وكأن السادات كان خارج النظام، أو ضد الاعتقالات، وبالتأكيد وظّف الإفراجات البطيئة في سياق تصدير وتقديم نفسه زعيما مختلفا، يسمح بالحريات السياسية، ويضمد جروح المرحلة السابقة، التي امتازت بالسجون والتعذيب والقمع، بل سمح بإنتاج أفلام سينمائية تتناول فظائع سجون جمال عبدالناصر، ونشر كتب ومذكرات تحوي شهادات من عاشوا تلك المرحلة وكانوا من ضحاياها، وسوادهم الأعظم من الإخوان المسلمين.

فعل السادات ذلك وهو بحاجة فعلية إلى وجود الإخوان لأكثر من سبب، منها طبعا التصدي للتيارات الماركسية، ومحاولة إظهار نفسه زعيما مؤمنا وجبت مبايعته كخليفة للمسلمين في عصره وزمانه، كما رغب السادات بإظهار بوادر حُسن نية تجاه بعض دول عربية فتحت أبوابها للناجين أو الفارين من بطش عبدالناصر.

أين أوراق قوة الإخوان اليوم؟

الحديث عن مرحلة السادات أعلاه ضروري، ذلك أن أي نظام ينظر إلى ما يمكن أن يجنيه من مبادرة صلح أو تخفيف ضغط، أو عفو عام أو جزئي عن طرف ما، وما أوراق القوة بيد هذا الطرف..

فمثلا، كي نضرب مثالا قريبا، تصالح نظام السيسي مع حركة حماس، وهو الذي كان يلوّح باستخدام القوة العسكرية ضدها، ذلك لأن حركة حماس تمتلك أوراق قوة عدة، أهمها قدرتها على تهديد الأمن الإسرائيلي، بما يفوق بأضعاف مضاعفة قدرة أي تنظيم فلسطيني آخر، ولا عنوان في غزة في هذا السياق إلا حماس، صحيح أن العلاقة لم تعد إلى ما كانت عليه في بداياتها أيام مبارك ولكنها أفضل ومختلفة عن مرحلة ما بعد انقلاب السيسي وحرب 2014، تلك الحرب التي أثبتت أن حماس ليست لقمة سائغة مثل إخوان مصر.

أما إخوان مصر فهم في حالة خلاف وانقسام، ولم يعودوا يمتلكون قدرة حتى على مجرد تنظيم المسيرات والوقفات، مثلما كانت الحال في المرحلة الأولى للانقلاب.

كما أن دول العالم -بما فيها تركيا التي وقفت مع الشرعية بقوة- طبّعت علاقتها مع النظام، أو لم تعد تطالب بإنهاء الانقلاب، ونجا النظام من أية عقوبة على جرائم قتل المعتصمين في رابعة والنهضة، وجرائم الإخفاء القسري، وأوضاع المعتقلين في السجون، التي صارت أشبه بمحاكم التفتيش في الأندلس.

فما الذي يجبر أو يدفع النظام إلى التصالح أو حتى تقديم أي مبادرة تجاه حركة أو جماعة لا تسندها قوة دولية أو إقليمية، ولم يعد لها تأثير يذكر في داخل مصر، وحددت منذ الانقلاب نهجها ومحدودية خياراتها، فضلا عن حالة الخلاف أو الانقسام في صفوفها؟! حقيقة الجواب.. لا شيء.

وكان الأولى إبرام مصالحة داخلية كما كتب الشيخ عصام تليمة أواخر مارس/آذار الماضي، وفي المقال نفسه رأى تليمة -وأتفق معه- أن رد السيسي المتوقع على هذه الدعوة التي جاءت على لسان نائب مرشد الإخوان المسلمين إبراهيم منير هو الرفض والتعالي والإصرار على دمغهم بالإرهاب، وأنه مبايَع ومفوَّض من الشعب والعالم يعترف به!

حتى لو كانت مناورة.. هذا خطأ

المدافعون عن دعوة الإخوان للتصالح مع النظام، يرون أن إنقاذ المعتقلين الذين تفنى أجسادهم وأعمارهم في سجون تشبه سجون جمال عبدالناصر بل أشد فظاعة، هو أولوية وواجب الوقت، وهدف نبيل مقدّم على أية مكاسب سياسية، أو كبرياء، فهو أولوية شرعية وأخلاقية دونها قبول الحوار وحتى الصلح مع نظام السيسي.

والإجابة أو الرد التلقائي هو أننا كنا في غنى عن هذه العذابات، وكان يمكن حقن الدماء والاستسلام لواقع الانقلاب وقبول اللعب ضمن قواعده، منذ اليوم الأول قبل أن يصبح أمرا واقعا، وأيضا كيف سيقبل نظام موغل في البطش والقمع، بالحوار مع من يرى أنه (إنا فوقهم قاهرون) لأنهم كما ذكرنا لا يوجد بيدهم ورقة قوة تذكر، ولا مصلحة له كالتي كانت في زمن السادات معهم، بل- وهذه أهم نقطة- يقوم النظام بتقديم نفسه للإمبريالية العالمية والصهيونية كمانع وحائل وعصا غليظة ضد الجماعة وما تمثله..

فحقيقة كون ملف المعتقلين مأساويا وكل دقيقة تمضي تعني عذابا زائدا لمئات الآلاف من المعتقلين وذويهم، يجب أن تكون دافعا للتفكير بطريقة مختلفة ومراجعة جريئة، والبحث عن وسيلة ناجعة لإنقاذهم، لا تقديم عروض استسلام في وقت حرج!

هنا.. قد تكون المصارحة من الإخوان وأنصارهم بأن حقيقة وضعهم في مصر والعالم معروفة ومفهومة لديهم، وأن عرض الحوار والمصالحة، هو مناورة، ربما تفلح في حلحلة ولو جزئية لملف المعتقلين، ومن جهة أخرى تظهر الإخوان كجهة مستعدة للصلح والحوار لما فيه مصلحة مصر، بينما يظهر النظام بمزيد من الجبروت والطغيان، أمام الشعب المصري وأمام العالم، حيث إن الإخوان يتوقعون الردّ المذكور من السيسي.

وهنا فإن هذه المناورة تجسّد خطأ كبيرا، فهي تظهر استسلاما غير مشروط، وإذعانا بعد هذا العذاب وبحار الدم، منذ 2013 حتى الآن، فهل من أجل هذه الدعوة كان ما كان؟ ثم هل تظنون أن من ينقلب ويقتل ويحرق ويجرف الجثث بالجرافات، ويتسبب بموت رئيس منتخب في محبسه، يكترث بما قد يقال عنه، لو رفض مبادرة كهذه؟!

كما أن الإخوان ظلوا ينادون بموقف يقوم على أن ما جرى هو انقلاب عسكري مكتمل الأركان لا ثورة شعبية، وما بني على باطل فهو باطل، وألا حوار مع من انقلب على شرعية الصناديق، وداس بالدبابات على أجساد المحتجين الأبرياء.. فقبول الإخوان للحوار مع نظام على رأسه السيسي سابقة، لا تشبه وضعهم في أية مرحلة، هذا حتى لو عرض النظام الحوار معهم، فكيف وهو ممعن في غطرسته وبطشه؟!

التقارب بين تركيا ومصر

هناك تحليلات ترى أن تقارب تركيا مع مصر أثر على رؤية الإخوان، وهذا عذر أقبح من ذنب، فهل المشكلة والأزمة بين تركيا ومصر أساسا، أو بين طغمة عسكرية تحكم مصر وترفض النظر إلى الشعب إلا كعبيد في مزرعة تمتلك الحق المطلق في التصرف بها وبهم؟

من حق تركيا البحث عن مصلحتها وتبني المقاربة التي تراها تتلاءم مع ظروفها، أما الإخوان فيفترض أن يكون لهم موقف مستقل، يقوم على حق لهم، ولو كانوا يعجزون عن تحقيقه الآن، فإنهم يرفضون الاستسلام للانقلاب ولو طال الزمن.

بل يفترض بالإخوان تصليب موقفهم، حتى لو تصالحت تركيا مع مصر، وإلا أثبتوا مزاعم النظام بأنهم مجرد ورقة بيد دولة أخرى، لا أنهم تيار أصيل متجذر عمره يقارب عمر الجمهورية التركية، ويمكن لتركيا أن تظهر هنا كوسيط أو راعي مساعي حميدة، وأن تؤكد أن قرار الإخوان مستقل وتأثيرها عليه ليس كما تم تصويره وتضخيمه.

الحديث عن الإخوان والسيسي متشعب ولكن يلزمنا تسليط الضوء على بعض مراهنات الإخوان التي قادتهم إلى التفكير بالاستسلام تحت مسمى الحوار، وهذا موضوع مقال قادم بمشيئة الله تعالى.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة