صيامُ قلب

 

تهل علينا نفحة ربانية تمكث فينا وقتا قليلا، وصفها الله في كتابه بقوله تعالى: (أياما معدودات)

وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن لله في أيام دهركم نفحات، فتَعَرَّضُوا لها

ورمضان ضيف خفيف يشرفنا كل عام، ينبغي علينا أن نعد العدة لاستقباله، فهو شهر يحمل معه من البشارات والهدايا، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتُصفد الشياطين، فكم من أناس مر عليهم رمضان ولم ينالوا خيرا. وكم من فازوا وسعدوا بهذه النفحات ذلك لأنهم أعدوا واستعدوا بقلوب سليمة قبل الأبدان. فمن قَلَّ صيامه وقيامه طيلة العام يُسْتَحَبّ له أن يستعدّ لرمضان بالتدريب على النَّوافل قُبيله، حتى إذا دخل شهر الفريضة وجد نفسه على أُهْبة الاستعداد، فقد ورد في الأثر "صُمْ يومًا شديد الحرِّ ليوم النشور"، فهيا بنا نحي القلوب لرمضان، ويكون شعارنا فيه (صيام قلب).

 

وتختلف درجات المسلمين في استقبال الشهر الكريم، فهم على ثلاث: فمنهم ظالم لنفسه فلم يعبأ بقدوم الضيف وصدق فيهم قوله تعالى (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة: 46)، فمن لم يتحل بالصبر فيه كان الشهر له بمثابة شهر منع وحرمان، تسأله لماذا تصوم؟ يقول كما يصوم الناس، فقد ولد الشهر عنده ميتا في قلبه فدخل عليه وخرج منه وهو على حاله لم يتغير فيه شيء. وهناك صنف آخر ظلمه أشد، يسعى في إلهاء الناس وصدهم عن سبيل الله وعن الهدف المرجو من رمضان، فخابوا وخسروا. أما البطل والهداف الحقيقي ذلك الصنف الثالث الذي أعد واستعد وخطط وسارع في الخيرات قبل قدوم الشهر، فمعه من الإرادة والعزيمة التي تجعله مشتاقا لاستقبال الضيف الكريم، يقتنص هذه النفحة الربانية لأنه فقه قول الله تعالى (والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء: 27)، علم أن الله يريد أن يخفف عنه الذنوب ويغفر له فأهدى إلينا رمضان (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (النساء: 28).

 

(فمن أراد صياما صحيحا مقبولا لأعد له) فرمضان يستحق أن يُعد له من الآن. كيف؟ بأن نتعلم ونقرأ أحكام وشروط الصيام ومبطلاته. والأهم أن نعرف أن الصيام ليس صيام بطن وفرج فقط، بل صيام قلب مع البدن. فنستعد بتوبة صادقة واستغفار وتصالح مع الله ومع خلقه، وأن نقنن من استخدام الانترنت، ولتكن وسائل تواصل لا تقاطع اجتماعي بتحديد وقت لها بالتوافق مع العائلة. كل ذلك وفق خطة موضوعة لرمضان. ونخصص أيضا دعاء عند الإفطار في كل يوم وخاصة لأنفسنا وللأمة المكلومة ولرجالاتها رجال الحق وللوالدين وللأقربين، فكم من أناس الآن لا يجدون المأوى والمأكل، مُهجرين مشردين.

هناك من يأتي حزينا يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيفرح أناس ويحزن آخرون، فللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ومن هذا الذي يدعو عليه جبريل بالخسران ويؤمن عليه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بالخيبة والخسران، رغمت أنفه؟ لا شك أنها دعوة مستجابة من حديث أمين الوحي جبريل عليه السلام الذي قال فيه للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله. قل: آمين. فقلت: آمين"، ذاك الضائع الذي ضيع رمضان ولم يُعد له ويُحسن استقباله.

 

لقد أذن شهر شعبان بالرحيل، وبقيت أيام بل ساعات على رمضان لنقترب من واحته الوارفة، فعلى العاقل الكيس الذي يترقب مواسم الخير ومواطن القبول وميادين السباق ألا يغفل عنها، وينتبه.

أرأيتم الطالب المجتهد قبل الامتحان يذاكر ويسهر لينال الدرجة العليا، وكذلك المسافر يرتب كل شيء، يحجز الطيران والفندق، ويضبط موعد السفر ويجهز الحقائب، بل ربما لا ينام حتى لا تفوته الطائرة، ونرى المتسابق إذا اقترب من نقطة النهاية يسرع ويقفز لكي ينال الذهبية، كل هؤلاء يعدون العدة للفوز وقد قيل (من سهر الليالي بلغ المعالي)، فالعاقل لا بد أن يفكر قبل أن يفعل، يسأل نفسه (ماذا أفعل ولماذا أفعله؟ وما الثمرة المرجوة منه؟ والصيام ثمرته التقوى. (ولباس التقوى ذلك خير). ليكن شعارنا في رمضان (صيام قلب) مع الجوارح.

فالصوم الحقيقي (هو الذي يُدخل صاحبه الجنة)، ورمضان جسر ممدود إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها باب الريان الذي لا يدخله إلا الصائمون. فاللهم بلغنا رمضان ووفقنا أن نعد له العدة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة