أبيعُ نفسي

 

يقول المنطق إن السير في الطريق السليم لا يحتاج لإخبار الناس بذلك لأن الكل سيشاهده واضحا جليا بأم عينه، وإن المنظر الجميل لا يحتاج لافتة توضح جماله لأن من يقف في حضرته سينبهر بذلك الجمال ويمتّع عينيه بروعته. وفي السياسة فالعمل والبناء أيضا لا يحتاج لحشد جيوش الإعلام لإقناع الشعب به لأن الشعب نفسه يجب أن يشاهد ذلك ويلمسه في واقعه المعيشي وأن يستفيد منه في تسهيل أمور حياته، والمنطق أيضا يقول إنه لا حاجة للإقناع بما هو مقنع بذاته ولا ضرورة لتلميع الذهب وهو برّاق بتكوينه. أما السلاطين الذين يحشدون جيوش الإعلام لرفع مكانتهم وتعظيم إنجازاتهم وتلميع صورهم في عيون الشعوب، فهم يعلمون علم اليقين أن مكانتهم مهزوزة وإنجازاتهم مزيفة وصورهم باهتة مشوهة ومعدنهم ما هو إلا حديد تآكل من شدة الصدأ.

 

ليس العجب من أمر الدكتاتور إذا حشد إعلامه لتضليل الشعب، فهذا أحد أسلحته القذرة للقبض على الحكم قبضة مُحكمة والجلوس على ذلك الكرسي اللعين حتى آخر نفس يخرج منه، لكن العجب كل العجب من أمر شعب، أو على الأقل جزء لا بأس به منهم، كيف يصدقون تلك الأكاذيب وكيف يقتنعون بإنجازات رملية مزيفة وتقدم وهمي لم يلمسوا أثره على حياتهم ومعيشتهم رغم مرور السنين، بل على العكس فإن الأمور تزداد سوءا يوما بعد يوم، رغم أن هذة الفئة المغيبة من الشعب تحوي العلماء والمثقفين ورجال الأعمال بل ورجال الدين أيضا.

أما قطيع الإعلاميين الذين باعوا ضمائرهم بشيكات مرقمة تُصرف آخر كل شهر، فلا شك في أن تلك الشيكات لن تمحو عارهم من سجلات التاريخ، ولن تغسل قذارتهم من كل دولار أسود قبضوه ليدافعوا عن المجرم والقاتل وليشيطنوا الضحايا من شهداء ومعتقلين ومختفين قسريا ومهجرين، وتصويرهم على أنهم مجرمون إرهابيون، رغم أن منهم أطفالا لا يعرف من السلاح سوى تلك اللعبة التي يشتريها في العيد ليلهو بها مع أقرانه الصغار، ورغم أن منهم أيضا كبير السن الذي يتناول ربع صيدلية من الأدوية كل يوم حتى يستطيع الوقوف على قدميه، ومنهم الفتيات والسيدات والعجائز، بل حتى المرضى والمجانين، ولا تخجل أبواق الأنظمة المأجورة أيضا من رمي الاتهامات وشن الحروب الشرسة، كأنهم كلاب جائعة مسعورة، على الأحرار والشرفاء، وتصويرهم بأنهم خونة وجواسيس لأنهم فقط انتقدوا الحاكم الظالم وحاولوا توعية الشعوب بشأن فساده وظلمه وطغيانه.

 

ومن الجدير بالذكر هنا أن الأمر في الآونة الأخير تجاوز الحدود وانتقل من نطاقه الضيّق بين ضابط من جهاز المخابرات يملي على إعلامي فاسد ما يقول من أجل ضمان استمراره في عمله وقبض ثمن كلمته، إلى نطاق أوسع يرقى إلى خطط ممنهجة من كافة أجهزة الدولة لتغييب الشعب وتزوير الحقائق وغسل الأدمغة من خلال قنوات تلفزيونية وصحف ومواقع إلكترونية، بل تعدى ذلك إلى المناهج والكتب المدرسية ومنابر المساجد أيضا، وأصبحت الأموال الطائلة تُضخ بلا وعي، والكفاءات العظيمة من الشباب تُسخّر لتلك الغاية الرخيصة، وللأمانة فمنهم من هو مجبر على ما يقوم به ولكنه لا يحاول تغيير الوضع القائم، كما تقوم الأنظمة الدكتاتورية أيضا بمهاجمة المنابر الحرة التي تنقل الصورة الحقيقية وتكشف الفساد ونهب خيرات الشعوب، فتتهمهم تارة بالعمالة لدول معادية، وتارة بالسعي لإقحام الوطن والشعب في مصير مجهول محفوف بالمخاطر. وتلعب تلك الأنظمة القذرة على وتر الخوف من القادم لإيهام الشعب بأن الخلاص ببقاء الوضع على ما هو عليه، ولا نجاة لنا إلا بالمخلص القائد الملهم الذي يسهر على راحتنا وتغرورق عيناه أمام طفل مريض أو امرأة مُسنة، لكنهم لا يدرون أن تلك العين تعود لنظرة الخبث والحقارة بمجرد انتهاء المشهد وإطفاء الكاميرات.

 

الشمس ستشرق من جديد حتى وإن طال الظلام، وسيقف الدكتاتور ومرتزقته عراة أمام الشعب، وسيكون الخبر العاجل في تلك اللحظة على كافة الترددات وفي كافة الصحف المقروءة والمرئية، رغم أنفهم جميعا، سقط الدكتاتور الظالم وقال الشعب كلمته، وستتوقف الأبواق المأجورة عن النباح، تجلدهم دموع الأمهات الثكالى والأطفال اليتامى، سترافقهم صرخات السجناء المعذبين طوال حياتهم، وسيشاهدون حتى في منامهم معاناة الفقراء والمظلومين الذين كانوا هم أداة ظلمهم وعون ظالمهم، سيستيقظون من نومهم على دماء الشهداء تسيل من بين أصابعهم لا يزيلها الماء ولا التراب ولا حتى النار، سيسيرون وحدهم مخذولين يجرون خطواتهم الخائبة بحسرة إلى مزبلة التاريخ.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة